آخر الأخبار
الثلاثاء 1 سبتمبر 2026
هناك فرق كبير بين أن تختلف مع مسؤول أو تنتقد أداءه السياسي، وبين أن تتحول الخصومة إلى محاولة لتزوير التاريخ والطعن في أصول الرجل وأسرته وإنكار انتمائه إلى بيئة اجتماعية وعلمية وقضائية عريقة.
وهنا تحديداً، فإن الحديث عن معمر الإرياني لا يبدأ من منصبه ولا من ظهوره السياسي والإعلامي، وإنما يبدأ من تاريخ أسرة تحمل اسم الإرياني، ومن رجال عُرفوا بالعلم والقضاء وتركوا أثراً في تاريخ اليمن.
حين نتحدث عن الوزير معمر الإرياني، فإن الحديث لا ينبغي أن يتوقف عند مسيرته السياسية والإعلامية، بل يمتد إلى أسرة يمنية عريقة ارتبط اسم عدد من رجالها بالعلم والقضاء والإدارة العامة، وتركوا آثاراً لا تزال حاضرة في الذاكرة اليمنية وفي مختلف المحافظات حتى اليوم.
وتكتسب الصور القديمة التي توثق أفراد الأسرة أهمية خاصة؛ فهي لا تقدم مجرد مشاهد عائلية من الماضي، وإنما تفتح نافذة على مرحلة من تاريخ اليمن، وعلى رجال كان لهم حضورهم في المجتمع اليمني في زمن الإمامة.
ومن بين هذه الشخصيات جد الوزير معمر الإرياني، القاضي محمد بن يحيى بن محمد الإرياني، رحمه الله، الذي ارتبط اسمه بروايات وقصص متداولة بين اليمنيين عن مواقفه وشخصيته القوية خلال فترة حكم الإمامة.
ومن أشهر ما ترويه الذاكرة الشعبية عنه أنه أطلق يميناً اشتهر به آنذاك، مفاده أنه سيجعل من أساءوا إليه «يتكوفوا بكوافي اليهود في صنعاء»، وهي عبارة ارتبطت برواية عن موقفه الحازم تجاه خصومه، ويُقال إن ما توعد به تحقق بالفعل على أرض الواقع في تلك المرحلة. وتبقى هذه الرواية جزءاً من الموروث الشفهي المتداول حول شخصية القاضي محمد بن يحيى الإرياني، إلى جانب ما يمكن توثيقه من المصادر التاريخية المكتوبة.
ولا تقف أهمية هذه الأسرة عند الروايات الشفوية، فهناك أيضاً مصادر وكتب تناولت سير شخصيات من آل الإرياني، ومن بينها كتاب «حياة عالم وأمير»، للمؤلف محمد بن علي بن الحسين الأكوع الحوالي، والذي يتناول سيرة القاضي يحيى بن محمد الإرياني "جد والد معمر " والأمير إسماعيل بن محمد باسلامه. وهذه المؤلفات تمثل مادة مهمة للباحثين الراغبين في تتبع تاريخ الأسرة ودورها العلمي والقضائي والاجتماعي في اليمن.
كما أن إرث الأسرة لم يكن محصوراً في الوظائف والمناصب، بل امتد إلى أعمال ومآثر اجتماعية وعمرانية بقي بعضها شاهداً حتى اليوم.
ومن أبرز تلك الشواهد المسجد الذي قام " جد " الوزير معمر الإرياني ببنائه في منطقة «إريان» في اليمن، والذي لا يزال قائماً، حتى اليوم ومعروف لدى أبناء المنطقة، ليكون شاهداً مادياً على حضور الرجل ودوره في مجتمعه، وعلى أن ما تركه لم يكن مجرد سيرة تُروى، وإنما آثار باقية على الأرض.
وتزداد أهمية هذه الشواهد حين توضع إلى جانب تاريخ الأسرة العلمي والقضائي.
من هو معمر الإرياني؟ حين يتحول الخلاف السياسي إلى إنكار للتاريخ
في خضم الجدل الذي رافق إعلان عدد من القيادات والكوادر المؤتمرية عن مبادرة تحت اسم «تيار استعادة دور المؤتمر الشعبي العام»، ظهرت بعض الأصوات التي تجاوزت حدود الاختلاف السياسي إلى الإساءة الشخصية، بل وصل الأمر ببعضها إلى التشكيك في انتماء معالي الوزير معمر مطهر الإرياني إلى أسرة الإرياني، وكأن الموقف السياسي يمنح صاحبه حق إعادة كتابة الأنساب والتاريخ على هواه.
وهنا لا بد من التوقف قليلاً أمام الحقيقة، بعيداً عن الشتائم والمناكفات.
معمر مطهر الإرياني ليس اسماً طارئاً على عائلة الإرياني، ولا يحتاج إلى شهادة من أحد على انتمائه إليها. فهو ابن أسرة يمنية عريقة، ارتبط اسمها بالعلم والقضاء والسياسة والأدب والعمل العام، وخرج منها على مدى عقود عدد من أبرز الشخصيات التي أسهمت في صياغة جانب مهم من تاريخ اليمن الحديث.
فالأسرة الإريانية من الأسر العلمية والقضائية المعروفة في اليمن، وقد ارتبط اسمها تاريخياً بالقضاء والعلم، وبرز من رجالها قضاة وعلماء وأكاديميون وسياسيون وشخصيات عامة. وتؤكد المصادر التاريخية أن والد الدكتور عبدالكريم الإرياني، علي الإرياني، كان من القضاة المعروفين، وأن الأسرة كان لها حضور بارز في الحياة العلمية والقضائية والسياسية اليمنية.
ومن هذه الأسرة برز القاضي عبدالرحمن يحيى الإرياني، الذي لم يكن مجرد شخصية عائلية معروفة، بل كان واحداً من أبرز رجال الحركة الوطنية اليمنية؛ شارك في النضال ضد الحكم الإمامي، وتولى بعد قيام الجمهورية مواقع قيادية، وكان ثاني رئيس للجمهورية العربية اليمنية وأول رئيس مدني لها، وظل اسمه حاضراً في تاريخ اليمن السياسي والفكري والقضائي.
ثم جاء الدكتور عبدالكريم الإرياني، ذلك الاسم الذي لا يحتاج إلى تعريف لدى اليمنيين. عالم وأكاديمي وسياسي ورجل دولة، حاصل على الدكتوراه من جامعة ييل، وتولى وزارة التربية والتعليم ورئاسة جامعة صنعاء، ورئاسة الوزراء، ووزارة الخارجية، والأمانة العامة للمؤتمر الشعبي العام، وغيرها من المناصب التي جعلته واحداً من أبرز رجالات الدولة اليمنية في العصر الحديث.
وإذا كان البعض يريد أن يقيس قيمة الإنسان بمناصبه، فالتاريخ وحده كفيل بالرد.
أما في المجال الأكاديمي، فقد حمل أبناء الأسرة مسؤوليات علمية وجامعية بارزة؛ ومنهم الأستاذ الدكتور حسين الإرياني "عم الوزير معمر" الذي كان نائبا لرئيس جامعة صنعاء ومن ثم تولى رئاسة جامعة تعز خلال الفترة 2001–2003.. واعمامه الاخرين القاضي عبدالله والقاضي عبدالكريم الارياني.
ولم يكن حضور الأسرة محصوراً في السياسة والقضاء والأكاديميا، بل امتد إلى الأدب والثقافة والتاريخ. ويكفي أن نستحضر اسم المؤرخ والشاعر مطهر الإرياني، أحد أبرز رموز الثقافة اليمنية، الذي أسهم في حفظ جانب مهم من الذاكرة والهوية اليمنية.
بل إن الروايات المنشورة عن أسرة الإرياني تشير إلى أن أبناءها نشأوا في بيئة علمية، وكان كبير الأسرة القاضي عبدالله بن يحيى الإرياني من الشخصيات التي رعت أبناءها ودفعت بهم نحو التعليم، في وقت كانت فيه الدراسة الحديثة خارج اليمن حلماً صعباً.
ومعمر الإرياني.. امتداد لا يحتاج إلى برهان.
وفي هذه الصورة التي يظهر فيها معالي الوزير معمر مطهر الإرياني صغيراً إلى جوار والده، لا نرى فقط صورة عائلية قديمة؛ بل نرى امتداداً لجيل تربى في بيئة علمية واجتماعية عريقة، وكان القضاء والتعليم والعمل العام جزءاً أصيلاً من تاريخ أسرته.
وقد يختلف البعض مع معمر الإرياني في موقف سياسي، أو يتفقون معه، وقد يؤيدون مبادرته الأخيرة داخل المؤتمر الشعبي العام أو يعارضونها. وهذا حق مشروع ومحمود في الحياة السياسية.
لكن أن يتحول الاختلاف حول مبادرة سياسية إلى محاولة نفي الرجل من أسرته، أو التشكيك في أصله ونسبه، فهذه ليست معارضة سياسية، وإنما خروج عن أدب الاختلاف وعن أبسط قواعد الإنصاف.
فهل أصبحت العضوية في المؤتمر الشعبي العام أو الدعوة إلى استعادة دوره سبباً كافياً لإسقاط الأنساب؟
وهل إذا اختلف شخص معك سياسياً يصبح فجأة غير ابن أسرته؟
التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة.
إن من حق أي شخص أن يقول: لا أتفق مع معمر الإرياني، ولا أؤيد تيار استعادة دور المؤتمر، ولا أرى أن المبادرة هي الطريق الصحيح.
وهذا رأي سياسي محترم، يمكن مناقشته بالحجة والبرنامج والموقف.
لكن ليس من حق أحد أن يقول: أنت لست إريانيّاً لمجرد أنك اتخذت موقفاً سياسياً لا يعجبه.
فالأنساب لا تُدار بصناديق الاقتراع، والتاريخ لا يُكتب بمنشورات مواقع التواصل الاجتماعي.
ومعمر الإرياني، قبل أن يكون وزيراً أو سياسياً أو مؤتمرياً، هو ابن بيئة وأسرة يمنية معروفة، لها حضور موثق في القضاء والعلم والأكاديميا والسياسة والثقافة، شأنها شأن كثير من الأسر اليمنية التي قدمت رجالاً للبلاد في مراحل مختلفة.
والأجدر بمن يختلف معه أن يناقش فكرة تيار استعادة دور المؤتمر الشعبي العام، وأن يسأل عن أهدافه وآلياته وقيادته ومدى قدرته على تحقيق ما يطرحه، لا أن يفتش في شجرة العائلة بحثاً عن مادة للسخرية والتجريح.
فإذا كان لدى أحد اعتراض على المبادرة، فليواجه المبادرة.
وإذا كان لديه اعتراض على معمر الإرياني، فليواجه مواقفه.
أما الآباء والأجداد والأنساب والتاريخ العائلي، فليسوا طرفاً في الخصومة السياسية.
والاختلاف السياسي مهما اشتد، لا ينبغي أن يجعلنا نهدم احترامنا لتاريخ اليمن ورجالاته وأسرته الاجتماعية والعلمية.
ويبقى السؤال الحقيقي أمام الجميع:
هل نريد مؤتمراً شعبياً عاماً يستعيد دوره السياسي، أم نريد أن نبقى أسرى معارك التخوين والتشكيك والشتائم؟
فالذي يريد بناء المستقبل لا يحتاج إلى تزوير الماضي.
الحوثيون والسلوك الاقتصادي في اليمن
اليمن في حالة حرب مع إيران
الرخيص حين يحلم باستعباد اليمنيين
الحوثي.. من اختطاف الدولة إلى ارتهان الجغرافيا
من كهوف صعدة إلى رهينة المشروع الإيراني