الأحد 22 سبتمبر 2019
عبدالناصر .. عن الديكتاتورية والديمقراطيّة ..
الساعة 10:13 صباحاً
غائب حواس غائب حواس

من حديثه إلى مندوب شبكة كولومبيا للإذاعة والتلفزيون ( فرانك كيرنز ) في 6 ابريل 1958م .

مقتطفات :

________

سؤال: إن أعداءكم يقولون إنك دكتاتور؛ فما هو رأيكم فى هذا؟

* الرئيس: إن أعداءنا يستطيعون أن يقولوا ما يحلو لهم، وإذا كان الحرص على تعبئة جميع قوى الشعب وتوجيهها إلى بناء مستقبله دكتاتورية؛ فأنا إذن دكتاتور. ثم دعنى أذكرك بأن الراعى الذى يحرس الغنم من هجمات الذئب عليها، ويحول بينه وبين افتراسها؛ هو فى نظر هذا الذئب دكتاتور متحكم؛ لأنه يحول بينه وبين تحقيق أمانيه فى الغنم بافتراسها، هل تعلم من الذى قال ذلك؟.. زعيمكم المشهور "إبراهام لنكولن".

إن النظر إلى المسائل يختلف دائماً من الزاوية التى ينظر بها كل فرد، ومع ذلك فأظنك تعلم أن هناك من يقول إن الولايات المتحدة تمارس إرهاباً فكرياً، وإنها دولة بوليسية. هناك من يقولون إن الطريقة المكارثية فى اضطهاد الناس ومطاردة أفكارهم لا تفترق فى شىء عن أسوأ ما تتهمون به أعداءكم.

- سؤال: هل تستطيعون أن تحددوا ما هو الوقت المناسب لقيام ديمقراطية كاملة؛ أعنى بوجود أحزاب ومعارضة منظمة فى بلادكم؟

* الرئيس: إن الولايات المتحدة الآن قوة كبرى بتعداد سكان كبير وصناعات ضخمة، ولكن لو أنك عدت إلى الأيام الأولى من تاريخ بلادكم، أيام حرب التحرير، عندما كان تعداد سكان بلادكم لا يزيد عن أربعة أو خمسة ملايين يحاربون الإنجليز دفاعاً عن استقلالهم؛ إذا عدت إلى هذه الأيام من تاريخكم، وإذا تذكرت ما كان يقوله رئيسكم الأول "جورج واشنطن"، والمخاوف التى كانت تحيط به، لو عدت إلى هذا كله لاستطعت أن تفهم هذه الفترة التى نمر بها، لقد قال لكم "جورج واشنطن" فى حديثه المشهور - حديث الوداع - عندما قرر أن يعتزل السلطة، إنه لا يوافق على نظام تعدد الأحزاب فى هذه الفترة التى يخوض فيها الشعب الأمريكى معركة تقرير مصيره؛ إن تعدد الأحزاب فى هذه الفترة قد يؤدى إلى حرب أهلية.

كان "جورج واشنطن" هو الذى قال هذا، وكان يقوله عن الولايات المتحدة الأمريكية، وهو قول صادق أثبتت التجارب صحته فى ظروف البلدان التى تجتاز تلك المراحل الحاسمة من تاريخها، مرحلة الحرب من أجل تقرير المصير والحرية.

لعلنى أذكرك أيضاً أن "جورج واشنطن" فى ذلك الوقت كان يدعو الولايات المتحدة إلى اتباع سياسة عدم الانحياز والحياد عن كل مشاكل أوربا، وهذا أيضاً أسلم الطرق بالنسبة للبلدان التى تخوض نفس ظروفكم أيام حرب التحرير، وهى تكاد تكون بنفسها الظروف التى نخوضها نحن الآن. لقد تخلصنا فى هذا القسم من الجمهورية العربية المتحدة - مصر أعنى - من احتلال بريطانى دام أكثر من خمس وسبعين سنة. ونحن الآن نشعر بشعوركم وتراود أنفسنا نفس المخاوف التى كانت تراود نفوسكم على أيام "جورج واشنطن". إننا نريد تثبيت استقلالنا الذى حصلنا عليه بعد كفاح، ونريد تدعيمه؛ حتى نتمكن من بناء المجتمع الذى نحلم به. ولابد من فترة يتبلور فيها الفكر الوطنى الحر ويضرب بجذوره فى أعماق أرضنا، ولو أنى سمحت الآن للأحزاب أن تقوم على الفور، فماذا تكون النتيجة؟

أغلب الظن أننى سأجد هنا ثلاثة أحزاب أحدها يدعو إلى التحالف مع الغرب، وسيكون عماده على بعض الرجعيين والإقطاعيين، وثانيها يدعو إلى التحالف مع الاتحاد السوفيتى، وسيكون عماده من الشيوعيين، أما الحزب الثالث فسوف يكون الحزب الذى ينادى بانتهاج سياسة عدم الانحياز والحياد الإيجابى. وسيكون بين الثلاثة معركة عنيفة تمزق وحدة بلدنا، فهل هذا هو ما أريده؟ إن جوابى هو بالقطع: لا. إننى لا أريد أن تتمزق وحدة وطننا من أجل مصلحة هذا البلد الأجنبى أو ذاك؛ وإنما أريد صيانة وحدة هذا البلد؛ حتى تثبت الفكرة الوطنية المنبثقة من أعماقه وترسخ. وعلى أى حال فإنى أظن أننا سرنا خطوات فى طريق الديمقراطية الصحيحة.

لقد خلصنا الفلاح من عبودية صاحب الأرض حين حددنا الملكية، ونظمنا علاقة المالك والمستأجر؛ ومعنى ذلك أيضاً أن هذا الفلاح تحرر سياسياً، فلم تعد إرادة مالك الأرض تحدد له اتجاه صوته فى صناديق الانتخاب، لقد أصبح لكل فلاح فى مصر الآن رأى حر طليق فى شئون بلده.

ولقد أجرينا أخيراً انتخابات عامة فى مصر، ولم أشأ أن أخدع الناس أو أضللهم؛ لذلك قلت صراحة إننا سنعترض علناً وبدون إخفاء أو مواربة على الذين نرى أنهم لا يصلحون لتمثيل الشعب، ولقد اعترضنا فعلاً على بعض الرجعيين والشيوعيين، ثم تركنا الفرصة مفتوحة أمام العناصر الوطنية، ولقد كانت النتيجة أن بلادنا حصلت على برلمان وطنى، استطاع فى الفترة القصيرة منذ وقت انتخابه أن يؤدى دوراً نافعاً فى النقد وفى التوجيه.

وما من شك أنه ستتلو هذه المرحلة مرحلة أخرى، وفى تصورى أننا سنصل إلى نظام يستند على وجود حزبين خطوة خطوة؛ وبذلك يمكن أن تؤدى الديمقراطية الصحيحة دورها فى تدعيم الثورة، وإقامة المجتمع الذى تصدت هذه الثورة لمحاولة بنائه.


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار