الاربعاء 23 اكتوبر 2019
بقوة السلاح إلى المفاوضات.. الحديدة لمليشيا الحوثي!
الساعة 11:38 صباحاً
محمد اللطيفي محمد اللطيفي

في المواقف الكبيرة التي تمس أمن ومستقبل البلد، تخرج الشخصيات المعتبرة في أي حكومة، مثل رئيس الحكومة أو وزير الخارجية لتتحدث، أو يصدر بيان من الحكومة او رئيس الدولة للتوضيح، لكن هذا لم يحدث بعد التطورات الخطيرة التي حدثت في الحديدة، والتي نتج عنها تسلّم قوات خفَر السواحل التابعة لمليشيا الحوثي ميناء الصليف من مليشيا الحوثي، في صورة كاريكاتيرية مخزية كانت فيها مليشيا الحوثي تسلم الميناء لنفسها، برعاية أممية وترحيب بريطاني غير مسبوق، وكان من المفترض أن يتخذ موقف واضح ضد هذه المسرحية من قبل الرئاسة والحكومة، لأن الصمت أو الضبابية في مثل هذه الأحداث اعتراف ضمني بما يحدث.

وحتى اللحظة لم يصدر من الشرعية أي موقف رسمي واضح ومحدد، ولا نعلم كيف يتم التعاطي بمثل هذه الهزلية، مع حادثة أفضت إلى تمكين مليشيا الحوثي من إدارة موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى باعتراف دولي، وباستثناء تغريدات متفرقة لشخصيات تابعة للشرعية، فلا يوجد تصريح لرئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة، ولم يصدر أي بيان من الحكومة يوضح بدقة موقف الشرعية من الاعتراف الأممي بأحقية المليشيا في إدارة الموانئ.

بل إن الأخبار التي وردت من الأردن كانت مفجعة، ولا تعبر إلا عن أداء يتسم بالغباء للذين يديرون الشرعية، حيث أكدت الأنباء حدوث مشاورات بين المبعوث الأممي وفريقي الشرعية والمليشيا حول آلية تصريف ورادات الموارد في ميناء الحديدة، وهذا بحد ذاته اعتراف غير مباشر بالجهة الجديدة التي ستدير الحديدة، وهي الجهة التابعة للحوثي، بما يعني اعتراف رسمي من الشرعية بسلطة الحوثي على موانئ الحديدة الصليف ورأس عيسى.

لقد أخذت مليشيا الحوثي الموانئ الثلاثة من الشرعية بقوة السلاح بعد انقلاب سبتمبر (2014)، بفترة زمنية قياسية، وظلّت تدير تلك الموانئ ومدينة الحديدة طوال الأربع السنوات الماضية، مشكلّة منها مناطق تهديد للأمن القومي السعودي والملاحة الدولية، وتحولت الحديدة إلى منصة إطلاق صواريخ لتهديد الألوية التابعة للحكومة والإمارات، بينما ظلّ ميناء الحديدة مصدر رفد مالي كبير ومخزن غذائي للحوثي، فضلا عن كون الحديدة ومينائها ظلت ورقة تفاوض رابحة للمليشيا الانقلابية في مشاورات جنيف والكويت والسويد.

كان من المتوقع أن كل المعارك العسكرية التي تقودها الامارات بتغطية من الحكومة في الحديدة، فضلا عن المفاوضات السياسية التي تقودها الحكومة بدعم من التحالف، ستؤدي إلى حصر الحوثي في زاوية ضيقة لا يملك فيها إلا الخروج من المدينة والموانئ، لكن ما حدث العكس تماما، فبعد أن استولى الحوثي على الحديدة وموانئها بقوة السلاح، أكد سيطرته عليها الآن بقوة المفاوضات، لقد أدت المغامرات العسكرية للتحالف إلى ذهاب الحديدة للحوثي، ونتج عن الطريقة السيئة للتفاوض من قبل الشرعية إلى تأكيد بقاء المدينة والموانئ بيد الحوثي.

ماذا يمكن أن يسمى ما يحدث؟ إن لم يكن غباء منقطع النظير، فلن يكون إلا خيانة وطنية، وإلا ماذا يعني كل هذا الصمت؟ لماذا يخرج عضو وفد أو وزير إعلام أو مستشار رئاسي ليغردوا على توتير، بدل أن تتحرك الحكومة لإصدار بيان واضح، تتبعه مواقف عملية، ضد المبعوث الاممي والخارجية البريطانية؟ بل لماذا لم يتم توقيف المشاورات الجارية في الأردن مع الحوثي؟ّ!.. لأن مثل هذا التفاوض يعد شرعنة لما يجري.

في المجمل فان ما حدث في الحديدة، ينبئ عن توجه بريطاني لفرض أمر واقع في مسار القضية اليمنية، حيث تعطى شرعية دولية غير قانونية ومخالفة للمرجعيات الدولية، لمليشيا الحوثي في الحديدة، بحيث تصبح الشرعية هي المعرقلة لاتفاق الحديدة، باعتبار أن الحوثي انسحب من الموانئ وبقي على قوات الحكومة أن تخرج من أطراف المدينة، وكل هذا يصب تماما في صالح المليشيا الإنقلابية، ويؤكد بقاء احتلالها للحديدة، ويجعل من الصعوبة التفكير بتحرير المدينة التي كانت على قاب قوسين أو أدنى من التحرير.

ما زالت الفرص سانحة للشرعية في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والبدء بإصدار بيان واضح لا يعترف بما تم في الحديدة كونه مخالف للمرجعيات الدولية، والشروع باتخاذ موقف عملي يسحب الاعتراف بالمبعوث الأممي مارتن غريفيث، أما الاستمرار في انتظار موقف من الرياض، فلن يؤدي إلا إلى مجيء اللحظة التي تصبح فيها الشرعية مجرد سلطة على الورق، مثلها مثل الشرعية في ليبيا.


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار