الاربعاء 17 يوليو 2019
التوبة من الصحوة.
الساعة 06:40 صباحاً
حسين الوادعي حسين الوادعي

كان عنوان فترة الصحوة الإسلامية هو "التوبة". لكنها كانت توبة من الأشياء الجميلة والنافعة لا من المعاصي والرذائل.
بدأ مصطفى محمود سلسلة التوبة بكتاب" رحلتي من الشك إلى الإيمان"، والكتاب هو إعلان توبة مصطفى محمود من الكتابات العقلانية التي بدأها بكتابه "الله والانسان " وانتقاله إلى مرحلة الدعاية الدينية التي ستكرسها مرحلة السادات تحت ثنائية "العلم والإيمان".
ستتابع الصحوة تدشين موجة التوبة من كل منجزات العقلانية والليبرالية التي دخلت المجتمع العربي على استحياء. فشاهدنا مصطفى محمود يعرض التوبة على الموسيقار محمد عبد الوهاب ويطلب منه ان يخجل من ملاقاة ربه فنانا!
ثم شاهدنا "الوسطي المعتدل" محمد الغزالي يحرض ضد نجيب محفوظ وفرج فوده ليؤدي تحريضه إلى محاولة ذبح نجيب محفوظ وجريمة اغتيال فرج فوده التي سيتطوع فيها محمد الغزالي للشهادة في المحكمة ليؤكد كفر فرج فوده واستحقاقه للقتل.
كانت تلك الفترة هي فترة التوبة عن الفن بانتشار ظاهرة الفنانات العائدات إلى الحجاب، والتوبة عن الأدب بأكبر عملية مصادرة للأفلام والمسرحيات والروايات، والتوبة عن العقل بمصادرة أمهات الكتب التنويرية لطه حسين ونصر ابو زيد والعشماوي وخلف الله وعلي عبد الرازق..
استمرت الصحوة الإسلامية في نشر ظاهرة التوبة من كل شيء إيجابي في المجتمع العربي فانتشر الحجاب والنقاب واللحية والثوب والسروال القصير ودعوات حبس فتنة النساء في البيوت.
وكان الشعراوي يحرم زراعة الأعضاء ويدعو لقتل قاطعي الصلاة ويكفر المسيحيين ويدشن الفتنة الطائفية من على شاشة التلفاز
وحلل القرضاوي الاغاني الدينية والوطنية و يا حبذا بدون موسيقى. لكنه لم ينس أن يفتي بالردة الحضارية للمجتمع التي لا بد من التصدي لها بسيوف المشروع الإسلامي.
ودشنت "الصحوة السعودية" أوسع موجة لتحريم كل شيء من الدش إلى الموبايل والانترنت والتصوير وطلاء الأظافر والأغاني والأفلام والمسلسلات والمجلات والتحف والورود..
وتوسعت الصحوة لتكفير كل النظريات الحديثة من القومية إلى الليبرالية والديمقراطية والعلمانية. ونشرت خطابا تكفيريا ضد الشيعة والصوفية والشافعية وكل أشكال التدين الشعبي.
وكان لا بد للشيعة ان تدشن صحوتها بعد انتصار الثورة الإيرانية ليعود فرض الحجاب بالقوة وإحراق وجوه غير المحجبات بالاسيد والتراجع عن كل منجزات الديمقراطية والحرية والحداثة لصالح مرجعية الولي الفقيه. 
كان الشيعة أيضا يتوبون في زمن الصحوة عن كل تغير إيجابي في حياتهم وفكرهم ويعودون لزمن الإمام-الإله، وغيتو الطائفة المغلقة والمتزمتة.
لم تنس الصحوة الأخلاق أيضا، فجرفت الضمير الأخلاقي الحديث الذي تشكل عند الشباب نتيجة تعرفهم على العصر، وقادت الصحوة اكبر عملية تراجع أخلاقي لتعود بنا إلى عصور الولاء والبراء واحتقار الذميين والتعوذ من فتنة المرأة والغلام الامرد، والدعوة للكراهية في سبيل الله.. كراهية كل من هو مختلف عن جماعتك حتى ولو كان يصلي جانبك في المسجد.
بعد أضخم موجة توبة عن المحاسن والفصائل اتى وقت التوبة عن الصحوة، زمن العودة من رذائل الصحوة إلى فضائل "الجاهلية الحديثة".
لهذا ليس غريبا أن يكون عنوان التوبة عن زمن الصحوة "رحلتي من الإيمان إلى الشك" ، وأن تكون أبرز احداثها الشيوخ التائبين بدلا من الفنانين التائبين.


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار