اكتشف الكثير من الناس ساكس من خلال كتابه الصحوات (Awakenings) الصادر عام 1973، والذي تم تجسيده في فيلم يحمل ذات الاسمعرض عام 1990 حيث لعب روبن ويليامز دور البطولة (دور ساكس) بينما جسد روبرت دينيرو دور المريض. ويصف ساكس في الكتاب عمله مع المرضى نزلاء المستشفيات الذين يبدون مجمدين في نوم الشلل الرعاشي لعقود طويلة، وكأنهم بشر تم تخزينهم ووضعوا على الرف بكل بساطة، فما كان منه إلا أن عالجهم بالدواء التجريبي L-DOPA، والذي بدا وكأنه يعيدهم إلى الحياة من جديد، إلا أنه من المؤسف أن حالة الصحوات الجسدية كانت قصيرة الأجل، ورغم ذلك فقد أثار الكتاب العديد من الأسئلة حول الأمراض المستعصية وطرق علاجها فقد رأى ساكس أن بعض طرق العلاج تكون عبر رعاية المريض والتعرف عليه، أو بالأحرى التعرف على الشخص الذي يعيش خلف هذا المرض ورعايته وعدم الاكتفاء برؤيته كشخص مريض فقط.
ساكس وفرويد
وعلى الرغم من تدوينه للعديد من الملاحظات حول مرضاه ملأ بها آلاف صفحات المجلات والحوليات المتخصصة حول العديد من الأفكار التي حفزته وأثارته في عمله، إلا أن ساكس عادة ما عانى من جفاف أفكار الكاتب أو ما يسمى بـ “قفلة” الكاتب التي لا تمكنه من الكتابة. ويروي لنا صراعه لإنهاء كتابه الصحوات (Awakenings)، والذي تمكن من إنهائه بدافع التكريم لوالدته التي توفيت. وقد كانت ردة فعل ساكس تجاه وفاة والدته تماثل ماحصل مع فرويد الذي ألف كتاب “تفسير الأحلام” The Interpretation of Dreams)) كردة فعل على فقدانه لوالده. كلا الرجلين فقد أحد الوالدين عندما كان في الأربعين، وفي حين حول فرويد انتباهه لأحلام مرضاه، فإن ساكس يسعى جاهدا لإيقاظ مرضاه من سباتهم.
يرى ساكس بأنه يسير على خطى فرويد ودكتور الأمراض العصبية الروسي أى آر لوريا (A. R. Luria)، فهم جميعاً أطباء أخذوا على عاتقهم تصوير وتوثيق الحياة الكاملة للمريض عوضاً عن تغطية مرضه فحسب. كانت الدراسات حول الحالات التي عالجوها تحمل سرداً فريداً، وكان ساكس يريد أن يتم الاعتراف بدراساته السريرية كإنجازات أدبية وليست كدراسات علمية فقط، وقد تأثر ساكس لدرجة البكاء عندما أشاد صديقه الشاعر أودن (W. H. Auden) بكتاب الصحوات ووصفه بأنه “تحفة رائعة”.
متعلق: Here are Apple's new products
الدماغ أوركسترا بدون قائد
يمتلك ساكس روابط عميقة مع الشعراء والعلماء، وينجذب بشدة إلى جيرالد إيديلمان، ذو الرؤية الداروينية في علم الأعصاب، والذي يصور الدماغ على أنه “أوركسترا… بدون قائد… أوركسترا تعزف موسيقاها الخاصة”. وقد بدأ ساكس كتابه بحكمة معبرة نقلها عن الفيلسوف كيركغارد فيقول “الحياة يجب أن نعيشها ونحن نتطلع للأمام، ولكن لا يمكن فهمها إلا بالنظر للخلف”.
قبل بضعة أشهر أصيب محبو ساكس بالحزن لدى قراءتهم إعلانه في مقال بالنيويورك تايمز بأنه “سيء الحظ” لإصابته بسرطان مزمن، فكان ذلك بمثابة إغلاق نافذة مهمة من النوافذ التي تطل على العالم الذي نعيش فيه.
وتمثل مذكرات ساكس المنشورة حديثاً صفحات متألقة تفتح نوافذ تنير العالم فعلاً، وفيها يفتح ساكس قلبه للناس بقدر ما قام بمساعدة الآخرين وفتح لهم نوافذ الأمل وتشجيعه لهم على الإفصاح عما يجول في خواطرهم. وفي تصريحات مقتضبة تلخص ما يقارب 50 عاما من التحليل النفسي، يخبر ساكس القراء أن طبيبه النفسي ليونارد شينغولد علّمه “الاهتمام والاستماع إلى ما يكمن وراء الكلمات.. ووراء الوعي”. وهذا ما قام به ساكس أثناء حياته كمعالج ومن خلال عمله ككاتب.
كان والد ساكس معالجاً نفسياً استمر بمعالجة المرضى حتى بلغ التسعين من عمره، وقد وصفه الحبر الأعظم لإنجلترا بأنه رجل صالح، وخلال حياته، علمنا أوليفر ساكس محاولة فهم العالم باستقامة، والتعامل مع الناس بكرم أخلاق وعطف ورعاية، وهو في ذلك يشبه والده، ويمكننا تسميته كذلك بالرجل الصالح، إلا أن الإبن الذي رأى فيه أحد أساتذته أنه “سيكون له مستقبلاً كبيراً”، قد لا يكون سعيدا بما فيه الكفاية لمجرد أن يكون رجلا صالحا … فهو يسعد لمجرد كونه إنساناً فقط.


