آخر الأخبار
الجمعة 4 سبتمبر 2026
سمو الأخ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان الفلاحي، ولي عهد أبو ظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بدولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة
تحية طيبة وبعد
أكتبُ إليك رسالتي هذه، باعتباري مواطنا يمنيًا، أنتميْ إلى حضَارةٍ تاريخيّة، يزيدُ عمرُها عن سبعة آلاف سنة، وباعتبارك شخصيّة مؤثرة وفاعلة فيما يتعلقُ بالملف اليمني، وتجمعُنا مشتركاتٌ عدة وكثيرة؛ آملا أن تتوقفَ عند مضامينها بروح المسؤول الحصيف، وعلاقتنا الأخويّة تعيشُ شُروخًا ونُدوبًا غائرة، ما كان ينبغي أن تصلَ إلى هذه الحال.
أخي العزيز: أحبُّ وطني كما تحبُّ أنتَ وطنك، وكما لا ترضى بالعبثِ أو الإساءة لوطنك، فنحنُ كذلك نرفضُ المساسَ بوطننا، ولو من أقربِ المقربين لنا، خاصّة ولنا من مُبرراتِ الشُّموخِ والاعتزازِ بوطننا وحضارتنا ما يجعلُ أعناقنا تطاولُ شماريخَ جبالنا الشّـمّاء التي ورثنا منها صلابةَ الروح ورباطة الجأش، مهما كانتْ أعاصيرُ الزمن أو انتكاساتُ التاريخ، فلكل شعبٍ وأمّة ــ وخاصّة الشعوب العريقة ــ تحولاتُها بين فينةٍ وأخرى، ومن يقرأ تاريخَ الأممِ والحضاراتِ يجدْ ذلك واضحًا لدى كل شعبٍ من شُعوب الحضَارات العَريقة، وليس بخافٍ عليكم أنّ الصينيين إلى منتصفِ سبعينيّات القرن الماضي كانوا يأكلون لحومَ بعضهم البعض من الجُـوع والفاقة، واليوم ها هي الصين ثاني اقتصاد عالمي. ولا أدري ما حصيلتك المعرفيّـة من تاريخِ العربِ القديم، وتاريخِ اليمنِ على وجه الخُصوص، لأذكرَك أن أجدادَنا الأوائلَ كانوا يلبسون الأزُرَ المحوكة بالذهب، وسل عن ذلك رسولَ بيزنطة إلى عاصمتنا الحميرية الثانية ظفار "إب" حاليًا. كما كان أجدادُنا الأوائل يُزيِّنُـونَ أسقفَ بيوتهم بالذهبِ والفضّة، وأيضًا يأكلون في صحافِ الذهب والفضّة؛ أمّا لو أمعنتَ النظر أكثر لوجدتَ أن بعضًا من تعاليم الفقه الإسْـلامي كانت جزءًا من قوانينِ وتعاليم اليمنيين من قبل الإسْـلام، هذا إلى جانبِ منظومةِ القوانين السّياسيّة والاجتماعيّة التي لم تصلْ إليها بعضُ البلدان اليوم على تحضُّرها، رغم الفارق الزمني الكبير، فَتحتَ كل حجرٍ وشَجر، وعلى كل رابيةٍ وسـفْح، وفوق كل تلٍ وجبلِ أثرٌ حضاريٌ عتيق ينطقُ بالعَظَمة والجلال على امتداد ربوعِ اليمنِ الواحد الموحَّد، فلسنا دولة لقيطة أو شعبًا طارئا، شكلتْه مصادفاتُ التاريخ، أو رسمتْـه ألاعيبُ السياسات؛ بل أمّة تمتد جذورُها بامتدادِ الخلقِ والخليقة، تسري بين دمائها كبرياءُ المجد السبئي، وتحملُ بين خلاياها جيناتِ الحضَارة مهما بدتْ عليها قتامةُ التخلف الذي تعيشه اليوم، فهي واحدةٌ من تحولات التاريخ لأي أمّة من الأمم، وليس أعظم من الامبراطورية الرومانيّة التي حكمت الشرق والغرب، وفي النهاية هُزمتْ على يد قبائلِ القُـوط الهمجيّة. نعم، ندركُ هذه الحقائق ولا نتذمر كثيرًا، لثقتنا أن ليلنا لن يطول، وأن شمسَ نهضتنا ستسطعُ في يومٍ ما.
أخي العزيز: ما حصلَ في الفترة الماضية حالة من العبث الجنوني استفزتْ مشاعرَ أبناء الشّعب اليمني قاطبة شماله وجنوبه، شرقه وغربه، ولا نخفيكم أنّ مشاعرَ المحبة والإخاء التي كانت متغلغلة في وجدانِ وأحاسيسِ الشّعب اليمني عن الإمارات العربية المتحدة، قد استحالتْ إلى مشاعر تذمر وكراهية وغضب جماهيري عارم، تخلقتْ على مدى أربعِ سنوات، ولم تكن معاركُ منصّات التواصُل الاجتماعي التي دارتْ بين أبناء الشعبين مؤخرًا إلا نتيجة لما يعتملُ في الصُّدور. وهي نتيجةٌ مُزرية ومحزنة، لا نرضى بها أبدا. نعم.. حالة من الكراهيّةِ والتذمر الشعبي في الأوساط الشعبيّة العامة، لا في أوساط النخبة السياسيّة، وهذا هو الأخطر، فخلافاتُ الشُّعوب أخطرُ من خلافاتِ قاداتِ الشعوبِ ونُخبها السياسيّة، وإن كان هذا آتٍ من ذاك.! وليس أسْـوأ من حقدِ العَـربي على أخيه العَـربي كما نقرأ في كتبِ التاريخ، لما في ذلك من نتائج سلبيّة، خاصّة ونحنُ اليوم جميعًا في مرمى نيرانِ الأعداء بلا استثناء، ومن الحماقةِ أن نساعدَ أعداءنا التاريخيين في النيل من بعضِنا البعض، وقد ساعدناهم فعلا. وإني لأستغربُ ــ حد الاندهاش والذهول ــ من طبيعة تفكيركم أولا في التعاطيْ مع القضيّة اليمنيّة، فثمة خللٌ بيـّنٌ وجليٌ في بنية العقل نفسِه؛ لأن السُّلوكيات العمليّة للأفراد والجماعات هي في الأساسِ انعكاسٌ لطبيعة التفكير، وتفكيرُكم لم يكن صائبا البتة؛ بل لقد كان خاطئا، عشوائيا، ارتجاليًا، يعكسُ خفّـةً وجهالةً واضحتين، ما كان أغناكم عن ذلك..! لا أدري هل تدركون أولا أنكم إلى جانب دفاعكم عن الشرعيّة اليمنيّة أنكم تدافعون عن أنفسكم أيضا؟؟! فلستم بعيدين ــ والله ــ عن نار إيران التي تُوقدُها اليوم، وإن أوهمتْكم أنكم بمأمنٍ منها..!
ليكنْ في بالكم أننا لا نقفُ ضد مصالحكم مطلقا، ونقبل ــ بترحاب وسُرور ــ أن تكون لكم مصالح اقتصادية في اليمن؛ لكن ليس على حساب مصالحنا وسيادتنا. كما نتطلعُ إلى أن تكون علاقتُنا أخويةً وصادقة، لا على المستوى الرسمي فقط، بل والشعبي، كما هو الشّأن مع دولة وشعب الكويت، الشعب الذي يُعطي بلا مَـنٍّ ولا أذىً، الشعب الذي تجري محبّـتُه في وجدان كل يمني، منذ مطلع ستينيات القرن الماضي وإلى اليوم، وإن تعرضتْ هذه الحالةُ لنُـدبة عارضَةٍ عام 1990م بسبب طيشِ وحماقةِ القيادة السياسيّة آنذاك، ومع هذا فلم يلبثْ دخانُ السياسة أنْ تلاشى وعادتْ محبّةُ الكويت في قلبِ كل يمني إلى اليوم، وكما هو الشّأن ــ أيضًا ــ مع المملكة العربية السعودية التي ينظرُ لها كلُّ يمني بإجلالٍ وإكبار.
كان بوسْعكم أن تأتوا البيوت من أبوابها، وأن تسلموا على أهل الدار، وتقولون: هذا لنا، وهذا لكم، وفق قاعدة "لا ضررَ ولا ضرار"؛ أما أن تأتوا بتلك الصورة، وذلك التفكير، لتعبثوا بمقدرات الأمة وسيادتها فذاك حلمٌ دونه خرطُ القتاد، ولعلكم رأيتم كيف ثارَ الشعبُ لكرامته، وهبّ مدافعًا عن سِيادته، وقد نفد صبرُه، في أصْدق صورةٍ لما قاله المؤرخُ الخزرجي في القرن التاسع الهجري عن أهلِ اليمن: "إنّ لليمنيين وَثَباتٍ كوَثبَاتِ السّباع".
أخي العزيز: نجحتم في سياستكم الداخليّة، واستطعتم النهوضَ بالشعب الإماراتي إلى مصافي الدول المتقدمة عالميًا، ودخلتم التاريخَ من أوسعِ أبوابه من هذه الناحية؛ أما سياستُـكم الخارجيّة فلا تزال متأخرةً جدا، وأنصحُ نصيحة الأخ لأخيه بإعادة النظر في سياستكم الخارجيّة؛ وإذا كانت أمريكا وبريطانيا وفرنسا ودولٌ عظمى قد سعتْ من وقت مبكرٍ لتأسيسِ ما عُرف بالدبلوماسية الشعبيّة، وهدفها مد جسور الوصْل والتواصل مع الشُّعوب، وتحسين وجهها شعبيًا بصورة مباشرة، بعيدًا عن تعقيدات الدبلوماسيّة العامّة، أو دبلوماسيّة المكاتب والقُصور، فإنكم أولى بأن تنحوا هذا المنحى، لترميم الفِجَـاج والصُّـدوع في جِدار العَـلاقة بينكم وبين بعضِ الدُّول العَربيّة، فليست اليمنُ فقط وحدها من تتذمرُ منكم؛ بل دولٌ أخرى كثيرةٌ في المنطقة، وخيرٌ لكم الانحياز للشُّعوب، وخاصّة الشُّعوب التي تمر اليوم بظروف استثنائيّة، بدلا من الانحيازِ للحسابات الضيقة، بما فيْ ذلك حساباتُ المصالحِ الماديّة في صُورتها التقليديّة، ولكم في اليابانِ مع النُّمُـور الأسيويّة خيرُ دليل.
أخيرا.. وحتى لا يُفهم من كلامي هذا أنه قطعٌ لخيوطِ الأملِ وحبالِ المودة، أقول: الفشلُ معلمٌ كبير بحسب إشارة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في مذكراته: "رؤيتي.. التحديات في سباق التميز". فقط لنعدْ إلى تنظيراتنا لتطبيقها عمليًا، وعلى الرغم من كل ما حصل، فلا يزالُ في الأمر متسعٌ لتدارك الخطأ وتلافي الزلل، وليس أكثرَ شَهامة من اليمني إذا استُعفيَ أن يعفو؛ خاصّة ولكم بعضُ الحُضور الإيجابي من السّابق، وهو ما لا ننكره؛ بل نشيد لكم بأي فضل تفضلتموه، أو معروف أسْديتموه، وليس من شيمِ الرجال نكران الجميل، وثقوا أن أواصر القربى غلابة، ولن نعدوَ ما أشَار إليه الحكيمُ العربيُّ يومًا:
إذا احتربتْ يومًا وسالت دماؤُها
تذكرت القربى ففاضتْ دموعُها
أخوكم/
ثابت محمد الأحمدي
وقفة مع ندوى الدوسري
الحوثيون والسلوك الاقتصادي في اليمن
اليمن في حالة حرب مع إيران
الرخيص حين يحلم باستعباد اليمنيين
الحوثي.. من اختطاف الدولة إلى ارتهان الجغرافيا