آخر الأخبار
الخميس 13 أغسطس 2026
كانت مدينة أوك ريدج واحدة من ثلاثة "مدن سرية" في مشروع مانهاتن، بالإضافة إلى لوس أنجلوس في نيو مكسيكو، وهانفورد، ريتشلاند في ولاية واشنطن.
احتل المدن الثلاثة أكثر من 125 ألف عالم، وتقني، وأفراد من فرق الدعم بنهاية الحرب. هناك صورة لسانتا كلوز أثناء تفتيشه على بوابات أوك ريدج، ونشرة إخبارية محلية مختومة بكلمة "محدودة". كل من كان عمره 12 عاماً أو أكثر كان عليه ارتداء شارة هوية شخصية. كان استخدام كلمات مثل "ذري"، و"يورانيوم" محظوراً خوفاً من العدو، كما تقول الصحيفة البريطانية.
رغم ذلك، كانت الجوانب الاجتماعية هناك مألوفة جداً، حتى المجتعات المُخطط لها، والتي حاولت أن توفر للمقيمين فيها أسلوب حياة مثالياً، والتي ربما قد أثرت على البناء الحضري والتصميم في أميركا بعد الحرب، استنسخت الفصل العرقي العنصري الذي تميزت به هذه الحقبة.
يقول مارتن مولر، وهو القائم على معرض "المدن السرية: العمارة والتخطيط في مشروع مانهاتن"، الذي سيفتح أبوابه يوم الخميس المقبل في متحف البناء الوطني بواشنطن: "لكن قبل مرور وقت طويل، تبدأ في رؤية الأشياء الغريبة بطرق مختلفة، وأحياناً فكاهية".
وضرب مثالاً إذ قال: "القيادة بمحاذاة الفندق الرئيسي في أوك ريدج ورؤية أن الحانة واستراحة الفندق هناك يسميان بغرفة المفاعل. تبدأ في رؤية الرموز النووية على المباني العشوائية حول المكان، وأيضاً الوصول لفهم أن هذه لم تكن فقط مجتمعات نموذجية نمت بطريقة عشوائية، بل ثمة أثر واضح لتصميم مدروس حتى في بداية وجودها"، كما تقول The Guardian.
كان هذا في أواخر عام 1942، أي أقل من عام بعد أن دخلت الولايات المتحدة الأميركية الحرب العالمية الثانية، حين بدأ فريق مهندسي الجيش الأمريكي بهدوء في الحصول على مساحات شاسعة من الأرض في مناطق بعيدة في الولايات الثلاثة. كان السكان القليلون في هذه المناطق قد طردوا دون سابق إنذار، وهُدِمت منازلهم.
وبحسب الصحيفة البريطانية سرعان ما وصل آلاف العمال الشباب من كل حدب وصوب، في البداية، أقاموا الخيام، وصنع آخرون ملاجئ مؤقته ضمن حدود المحميات العسكرية المخصصة حديثاً. بمنأى عن أنظار العامة بسبب العوائق الطبيعية والأسوار الأمنية، نصب العمال بسرعة آلاف المباني، بدءاً من المنازل مسبقة الصنع، وحتى الأبنية الصناعية على نطاق لم يسبق له مثيل.
كان الهدف فريداً من نوعه. فبمعرفة أن النازيين كانوا يسعون وراء الأسلحة النووية – رغم أنهم لم يكونوا بعيدين كما كان يُعتَقَد في هذا الوقت – كانت الولايات المتحدة تستثمر مالاً وقوة بشرية لا تُصدَق لصناعة هذا النوع من الأسلحة قبلهم. لا يمكن أن يكون السبب أكثر إلحاحاً من هذا.
ويفسر مولر الذي زار أوك ريدج للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود، عندما كان والد زوجته فيزيائياً نووياً في المختبر النووي هناك: "رغم ذلك، أخذ في الاعتبار أثناء بناء هذه المجتمعات، أهمية إنشاء مساكن في بيئات مريحة للناس الذين قد يعملون لصالح العلماء والمهندسين الذين يقومون بهذا العمل المهم".
ويتابع: "كان هناك اتفاق على أنهم احتاجوا للشعور بأنهم في بيوتهم. احتاجوا للحصول على مجتمع يبدو "عادياً". لذا خلال هذا الوقت الذي أُعلِنت فيه حالة الطوارئ على مستوى البلاد، بَنَت حكومة الولايات المتحدة منازل عائلية منفردة في مكان يمكن أن نعتبره الآن أحياء ضواحي نموذجية، بدلاً من وضع كل هؤلاء الناس في مهاجع وثكنات كما أعتقد أن أي دولة أخرى في العالم كانت لتفعل في ذلك الوقت. هذا وحده في نظري كان أمراً استثنائياً"، بحسب الصحيفة البريطانية.
ويضيف: "هذه المدن حقاً كانت تضع أساساً للأفكار الناشئة عن التخطيط الهندسي للمدن، والبناء. في حالات عديدة، كانوا حركة مستمرة لما كان موجوداً بالفعل".
بنيت أكبر المدن السرية، أود بريدج، من الفراغ في نصف عام لصناعة الوقود للقنبلة النووية، وكانت مُتخيلة في البداية كمدينة لـ13 ألف شخص لكن العدد نما ليصير 75 ألفاً بنهاية الحرب. صمَّمت الأبنية شركة سكيدمور وأوينغس وميريل (SOM)، وهي الآن واحدة من أكبر شركات الهندسة المعمارية، وأكثرها تأثيراً في العالم. ورغم أن أوك ريدج بدت في عزلة عمَّا حولها، كانت أيضاً تعبيراً دقيقاً عن حال العالم وقتها.
ويتابع مولر للصحيفة البريطانية: "مع أن المدن كانت مُتخيلة كمجتمعات تقدمية، فقد أراد مصمموها حقاً أن يقيموا أماكن نموذجية رائعة لتكبر فيها العائلات، لكن الفصل العنصري كان سمةً أساسيةً فيها. كان الفصل العنصري في نظر مصممي هذه المدن وسكانها حقيقةً من حقائق الحياة، وكانت هناك مشكلات عرقية ضاربة في جذور هذه المجتمعات.
خطة شركة شركة SOM المبدئية كانت تهدف إلى إنشاء "قرية للسود" في الطرف الشرقي من المدينة، أبعد ما يكون عن مواقع العمل، والتي كان يُفتَرَض أن تضم بيوتاً قريبة من البيوت المقدمة للمقيمين البيض. لكن بما أن أوك ريدج كبرت بسرعة أكثر من المتوقع، عُدِل عن هذه الخطط، ونقل معظم السكان الأميركيين الإفريقيين إلى أكواخ بدائية من الخشب الرقائقي أفضل قليلاً من الخيم.
كانت تلك الأكواخ تتجمد في الشتاء – والتسخين فيها بمواقد بدائية – وقائظة الحر في الصيف، ولا يتمتع سكانها بقدرٍ جيدٍ من الخصوصية، وافتقرت إلى السباكة الداخلية، لذا اضطر السكان إلى استخدام مراحيض جماعية. حتى المتزوجون لم يُسمَح لهم بالعيش معاً في مخيمات الأكواخ، وكان المقيمون يتعرضون باستمرار لمراقبة السلطات الأمنية أكثر من هؤلاء الذين يعيشون في الأحياء الأكثر استقراراً، بحسب الصحيفة البريطانية.
بنهاية الحرب، انتقلت معظم عائلات البيض خارج الأكواخ، وبتقلص عدد السكان، ذهبوا إلى منازل أكثر استقراراً. لكن العديد من العائلات الأميركية السوداء اضطرت للعيش في هذه الأكواخ حتى مطلع الخمسينيات.
كان هناك تطور على أية حال. يقول مولر: "في فترة ما بعد الحرب، استقرت أوك ريدج كمكان مليء بالأكاديميين من ناحية، والمتعلمين جيداً من ناحية أخرى، وكانت واحدة من المدن الرائدة في حركة إلغاء الفصل العنصري في الجنوب. في الحقيقة، اثنتان من أوائل المدارس العامة التي ألغت الفصل العنصري في الجنوب كانتا في أوك ريدج. حتى أن أوك ريدج هددت بالانفصال عن تينيسي بسبب إلغاء التمييز. لذا كان هناك تطور سريع نسبياً".
الحوثيون والسلوك الاقتصادي في اليمن
اليمن في حالة حرب مع إيران
الرخيص حين يحلم باستعباد اليمنيين
الحوثي.. من اختطاف الدولة إلى ارتهان الجغرافيا
من كهوف صعدة إلى رهينة المشروع الإيراني