الثلاثاء 27 اكتوبر 2026
الحوثي.. نقض العهود وصناعة الحروب
الساعة 05:17 مساءً
فيصل الشبيبي فيصل الشبيبي

بعد أربع سنوات من الهدنة التي استغلتها ميليشيا الحوثي الإرهابية للتجييش وتهريب الأسلحة والمكونات اللازمة لصناعة الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيّرة، كعادتها في استغلال الهدن ونقض العهود، استعداداً للمعركة الحالية التي فجرتها قبل ثلاثة أشهر، تتحمل الميليشيا المسؤولية الكاملة عن هذا التصعيد الخطير، ومعها النظام الإيراني الذي أسهم في تعزيز قدراتها العسكرية وتوسيع نطاق تهديداتها، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية والمصالح الإقليمية.

لم يكن هذا السلوك مفاجئاً، بل هو امتداد لمسيرة طويلة من نقض العهود والمراوغة والهروب من استحقاقات السلام، فمنذ اندلاع الحرب الأولى مع الدولة اليمنية في يونيو 2004، لم تتوقف هذه الجماعة عن صناعة الأزمات وإشعال الحروب، كلما شعرت أن التسوية السياسية قد تحرمها من فرض مشروعها بالقوة، أو تضع حداً لطموحاتها في السيطرة على الدولة ومقدراتها.

وعلى مدى سنوات الحرب، أثبتت التجارب أن ميليشيا الحوثي لا تؤمن بالسلام، ولا تتعامل مع الاتفاقات والهدن بوصفها طريقاً لإنهاء الصراع، بل تستغلها لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب صفوفها، وتعزيز قدراتها العسكرية، تمهيداً لجولات جديدة من التصعيد. فمشروعها القائم على احتكار السلطة وفرض الهيمنة الطائفية يتناقض مع مفهوم الدولة الوطنية القائمة على المواطنة المتساوية والشراكة والاحتكام إلى الدستور والقانون. ولذلك، فإن الرهان على التزامها بالسلام يظل وهماً ما لم تدرك أن فرض مشروعها بالقوة لم يعد خياراً ممكناً. وأعتقد أن تحقيق ذلك لن يكون بالوعود والاتفاقات وحدها، بل بكسر قوتها العسكرية، وتحييد خطرها، ونزع مخالبها، بما يهيئ الطريق أمام سلام حقيقي ينهي الحرب ويعيد الدولة ومؤسساتها.


لم يقتصر خطر هذا المشروع على الجانب العسكري والسياسي، بل امتد إلى النسيج الاجتماعي اليمني، من خلال إصرار الميليشيا على تطييف المجتمع، وفرض أفكارها الطائفية، وتغذية الكراهية والانقسام بين أبناء الشعب الواحد. فبدلا من تعزيز قيم التعايش والتسامح، تعمل على تقسيم اليمنيين وفق تصنيفات مذهبية وسلالية، وكأن اليمنيين ليسوا شعباً واحداً تجمعه الأرض والتاريخ والمصالح والمصير المشترك.

وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج مشروع الحوثي، فهو لا يكتفي بتدمير مؤسسات الدولة، بل يسعى إلى إضعاف الروابط الوطنية التي تجمع اليمنيين، وزرع بذور صراع طويل الأمد بين أبناء المجتمع الواحد. ومهما حاولت هذه الجماعة تغليف مشروعها بشعارات دينية، فإن فرض الوصاية على الناس، والتمييز بينهم، وتكريس فكرة الحق الإلهي في الحكم، لا يمكن أن يصنع دولة مستقرة، بل يفتح أبواباً جديدة للصراع ويهدد مستقبل الأجيال القادمة.

لم تكتف هذه الميليشيا الإرهابية بتدمير اليمن وتمزيق نسيجه الاجتماعي وإضعافه اقتصادياً وإنهاك شعبه بالجبايات، فها هي تعادي جيرانه وبالذات المملكة العربية السعودية الشقيقة، من خلال تصعيد خطابها العدائي الممنهج ضدها، واستهدافها المتكرر للبنية التحتية والمنشآت المدنية الحيوية بالصواريخ والطائرات المُسيّرة، الأمر الذي يؤكد طبيعة هذا المشروع الذي لا يتردد في تعريض أمن المنطقة واستقرارها للخطر. فالمملكة التي قدمت ولا تزال دعماً سياسياً واقتصادياً وإنسانياً واسعاً لليمنيين، وأسهمت في جهود إنهاء الحرب وتخفيف معاناة الشعب اليمني، تقابلها هذه الميليشيا بالاعتداءات والتهديدات المستمرة، تنفيذاً لأجندات خارجية، في وقت يحتاج فيه اليمن إلى علاقات قائمة على حسن الجوار والتعاون والمصالح المشتركة.

والأخطر من ذلك أن الحوثي لا يتصرف باعتباره حركة يمنية معنية بمصالح شعبها، بل يقدم نفسه أداةً لتنفيذ السياسات الإيرانية في المنطقة، حتى وإن كان الثمن تدمير اليمن واستنزاف موارده وتعريض شعبه للمزيد من المعاناة. فكلما تصاعدت التوترات الإقليمية، ظهرت حقيقة الارتباط بين قدرات هذه الميليشيا العسكرية وحسابات النظام الإيراني، الذي وجد فيها وسيلة لتوسيع نفوذه وتهديد جيرانه واستخدام الأراضي اليمنية ورقة في صراعاته الإقليمية.

وهكذا، أصبح اليمنيون يدفعون ثمن مشروع لا يخدم وطنهم، ولا يحقق لهم أمناً أو استقراراً أو حياة كريمة، وإنما يزج ببلادهم في صراعات تتجاوز حدودها، ويجعل من أمن اليمن ومصالح شعبه رهينة لحسابات خارجية. ومن المؤسف أن تصر هذه الميليشيا على التضحية بمستقبل اليمنيين من أجل أوهام السلطة، بدلاً من العودة إلى منطق الدولة والشراكة الوطنية والسلام الحقيقي.

إن مواجهة هذا المشروع لا تكون بالرهان على الوعود وحدها، ولا بتكرار تجارب الهدن التي استغلتها الميليشيا لتعزيز قدراتها والاستعداد لجولات جديدة من الحرب، بل بموقف وطني موحد يدرك طبيعة الخطر، ويعيد ترتيب الصف الجمهوري، ويوحد القرار السياسي والعسكري، ويمنح الكفاءات الوطنية المخلصة دورها في معركة استعادة الدولة.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن من يجعل نقض العهود وسيلة للبقاء في السلطة، والعنصرية والطائفية طريقاً للسيطرة، والارتهان للخارج مصدرا للقوة، لا يمكن أن يكون شريكاً حقيقياً في صناعة السلام. وسيظل مستقبل اليمن رهناً بقدرة أبنائه على استعادة مؤسسات دولتهم، وإنهاء مشروع الكهنوت، وإغلاق الباب أمام كل من يريد تحويل وطنهم إلى ساحة لصراعات الآخرين. فاليمن أكبر من الميليشيا، وأكبر من المشروع الإيراني، وإرادة شعبه في استعادة دولته ستبقى أقوى من كل محاولات إخضاعه وتمزيقه.


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار