الاثنين 30 نوفمبر 2020
الإسماعيليون في اليمن (1)
الساعة 09:59 صباحاً
بلال الطيب بلال الطيب

نتيجة لطبيعتها الجبلية، وبعدها عن مركز الخلافة العباسية، وبدء ضعف الأخيرة؛ صارت اليمن محطة جذب لعددٍ من الفرق الإسلامية المُتصارعة، والطامحة في الحكم، وقد وجد دعاة الشيعة - بشقيهم الإسماعيلي، والزيدي - في المناطق الشمالية ذات التضاريس الصعبة مرتعًا خصبًا لنشر أفكارهم، وإقامة دولتهم، وبمعنى أصح دولهم، ونجحوا إلى حدٍ كبير في ذلك.

كان دعاة الإمامة الزيدية الأكثر حضورًا، تماهى مذهبهم وطبيعة سكان تلك النواحي القاسية، وحظوا مع مرور الوقت بدعم أغلبهم، وانتصروا أكثر من مرة على مُنافسيهم المُتسامحين دينيًا (الإسماعيليين)، وعملوا بكل ما أوتوا من حقد وانتهازية على تشويه سمعتهم، ونعتهم بأشنع المسميات، وأقذع الصفات، وهي الصورة النمطية التي لا تزال - للأسف الشديد - مرسومة إلى اليوم.

وصل دعاة الدعوة الإسماعيلية إلى اليمن قبل مقدم الهادي يحيى بن الحسين إلى اليمن بعدة عقود، وقيل بـ 12 عامًا، على اعتبار أنَّ الوصول الأول تمثل بمجيء أبي القاسم الحسين بن فرح بن حوشب 268هـ / 881م، وبأمر من الإمام الفاطمي المستور الحسين بن أحمد بن عبدالله، وبرفقته علي بن الفضل الحميري، وصل الداعيان بادئ الأمر إلى ميناء غليفقة، ومنه افترقا، وصار لكل واحد منهما وجهته.

لم يكن توجه الداعيين المذكورين إلى اليمن إلا امتدادًا لدعاة أتوا قبلهم، هذا ما أجمع عليه غالبية المُؤرخين، وهو القول الأرجح؛ خاصة إذا ما علمنا أنَّ الإمام الفاطمي حدد لابن حوشب وجهته، والمُتمثلة بعدن لاعة، وهي منطقة تقع شمال غرب صنعاء، وإليها ينتمي الداعي الإسماعيلي أحمد بن عبدالله بن خليع.

كانت نهاية ابن خليع هذا قتيلًا في سجون آل يعفر، قبل مقدم ابن حوشب، فيما تزوج االأخير الذي تلقب بـ (منصور اليمن) من ابنته، أما الداعي الأخر - ابن الفضل - فقد كانت وجهته بلاد يافع، وله مع سكانها حكايا يطول الغوص في تفاصيلها.

كان لاختلاف آل يعفر فيما بينهم، وضعف الدولة الزيادية أثره الأكبر في تهيئة الظروف لنجاح ابن حوشب وابن الفضل في مُهمتهما، أظهر الأخيران الزهد والتقشف، والقناعة والتعفف، وقاما بدغدغة عواطف العوام برفع الشعارات الدينية، ثم القيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولم يظهرا دعوتهما إلا بعد أنْ التف حولهما آلاف الأنصار.

جعل الحسين بن حوشب من عدن لاعة مُنطلقًا لدعوته، ومنها بدأ يتوسع في المناطق المجاورة، واحتل بـ 3,000 مُقاتل جبل مسور، وبنى فيه حصنًا حصينًا، وجعله مقرًا لحكمه، ولمن أتى بعده، ومنه أيضاً مد نفوذه خلال فترة وجيزة إلى بلاد عيان (حرف سفيان)، وبني شاور، وحملان، وجبل ذخار (كوكبان)، ونجح بالحيلة في السيطرة على مدينة شبام عاصمة آل يعفر.

وفي الجانب الآخر صال ابن الفضل وجال في المناطق الجنوبية والوسطى تمامًا كرفيقه، إلا أنَّه ولأسباب يطول شرحها تجاوز المهام المُوكلة إليه، واستقل بالحكم لنفسه، ليتوج فتوحاته التي استمرت لأكثر من 20 عامًا بدخول مدينة صنعاء 10 محرم 293هـ / 11 نوفمبر 905هـ، حلق يومها رأسه، فحلق 100,000 من أصحابه رؤوسهم بعده، لم يدم بقاؤه فيها كثيرًا، ترك فيها عددًا من أنصاره، وتوجه بعد شهرين إلى تهامة مُكملًا توسعاته. كان علي بن الفضل قد أعطى فور دخوله صنعاء الحسن بن كبالة أحد موالي آل يعفر من آل طريف الأمان، إلا أنَّ الأخير استغل توجه الأول إلى تهامة، وثار على أنصاره، وقتل منهم من قتل، وطارد البقية، ليُسارع في تلك الأثناء جماعة من سكان ذات المدينة للذهاب إلى الهادي يحيى بن الحسين في صعده يستنهضونه بالقدوم إليهم. دخل الهادي يحيى صنعاء للمرة الثالثة 4 جماد الآخر 293هـ / 2 إبريل 906م، ومعه - كما أفاد كاتب سيرته - آل يعفر، وشيخ بكيل الدعام بن إبراهيم، وأحمد، والربيع بن محمد الروية المذحجي، ومحمد المناخي، والأخير ابن الأمير جعفر بن إبراهيم بن ذي المنار المناخي الذي استقل خلال تلك الحقبة بحكم مخلاف جعفر (إب، والعدين)، وقيل أنَّ تلك المنطقة سميت بذلك الاسم نسبة إليه.

كانت علاقة جعفر المناخي مُتوترة مع آل يعفر، سبق أن ساند الدعام بن إبراهيم أثناء دخوله صنعاء ضدهم؛ ولهذا السبب لا لغيره ساند الهادي يحيى من قبل، وكانت نهايته على يد علي بن الفضل، قبل توجه الأخير إلى صنعاء؛ ولهذا السبب أيضا انضم ولده محمد لمساندة إمام صعدة، ويبقى السؤال:

هل كانت مُساندة أحمد بن الروية المذحجي لذات الإمام للسببين الأول والآخر؟ مع العلم أنَّ نهاية ابن الروية كانت فيما بعد على يد أنصار ابن الفضل.

وفي صنعاء ابتدأ إمام صعدة بمحاربة أنصار ابن الفضل، من أطلق عليهم كاتب سيرته بـ (القرامطة)، وإيضاحًا للصورة أكثر جاء في كتاب (الإفادة في تاريخ أئمة الزّيدِيّة) نقلًا عن أبي عبد اللّه اليمني - فارس الهادي يحيى - قوله: «شهدت معه عليه السلام ثلاثًا وسبعين وقعة مع القرامطة، وكان يحارب بنفسه»، وهو رقم مُبالغ فيه، ولم يذكره كاتب سيرة الهادي المُؤرخ الأقرب لتك الحوادث، وغيرها.

عمد مؤرخو الإمامة الهادوية وغيرهم على تسمية الإسماعيليين في اليمن بـ (القرامطة)، وعلى نهجهم مضى كثيرٌ من الـمُؤرخين، ولم يريدوا بذلك - أي الهادويين - سوى الانتقاص من غرمائهم، خاصة إذا ما علمنا أنَّ القرامطة كجماعة تأسست خلال تلك الحقبة في الكوفة، وبدعم فارسي مجوسي، وتنسب إلى حمدان قرمط أحد أشهر دعاة الإسماعيلية في العراق، وقد بعث الأخير بأبي سعيد الجنابي إلى البحرين، وهناك انتشرت، وذاع صيتها، وصار لها دولة. ولو عدنا إلى كتب التاريخ ومراجعه الموثوقة لوجدنا أنَّهم - أي القرامطة - انشقوا عن الدولة الفاطمية، وانحرفوا عن مذهبها، وتحولوا إلى جماعة مُتطرفة، وعاثوا في المناطق التي سيطروا عليها قتلًا، ونهبًا، وخرابًا؛ بل امتدت أياديهم إلى قتل حجاج بيت الله الحرام، ونهب الحجر الأسود، وتعطيل موسم الحج لمدة تقارب الـ 22 عامًا.

يُقال إنَّ ابن الفضل تأثر بهذه الجماعة المُتطرفة، وبزعيمها سعيد الجنابي، وأنَّه كان بينهما تنسيق مُشترك، وأنَّ تسمية (القرامطة) التصقت به وبإصحابه لهذا السبب، وهو ما استنتجه الدكتور علي محمد زيد، ووضح خلاصته قائلًا: «برز علي بن الفضل كداعية للأفكار القرمطية، واستطاع باستغلال القحطانية أنْ يوقف العلوية العدنانية بصعدة، فدخل معها في حرب أدت لهزيمتها».

وهي الخُلاصة التي ولَّدت هذا السؤال: إذا كان علي بن الفضل تقرمط، وانتهت دولته بمقتلة، فلماذا ظلت تسمية (القرامطة) لصيقة بالإسماعيليين في اليمن طيلة القرون الفائتة؟ خاصة وأنَّ الأخيرين أنفسهم شنعوا عليه؛ بوصفه - كما سبق أن أشرنا - طامح خرج على توجهاتهم، وما هو مؤكد أنَّ المرء - أياً كان - يُكبر صغائر خصمه، ويجعل - كما جاء في الأمثال - من الحبة قُبة! بوصفه المُجابه الأبرز لدولتهم، عمل الإماميون على تشويه صورة ابن الفضل، وبثوا عنه إشاعات تناقلها المُؤرخون اليمنيون دون تمحيص، منها أنَّ يوم دخوله مدينة صنعاء كان ممطرًا، وأنَّه أمر بسد ميازيب الجامع الكبير، وطلع منارته، وأمر أصحابه أنْ يلقوا بالنساء التي سباهن عاريات، ومن أعجبته أخذها إلى المنارة وافتضها، وأنَّه سبى 4,000 عذراء من زبيد وحدها، ثم أمر أصحابه بذبحهن بعد اغتصابهن، إلى ما هنالك من الروايات المُقززة التي لا يستصيغها عقل ولا منطق، وهي بمجملها - أي تلك الروايات - إشاعات وتشنيعات تُسيء لليمنيين أنفسهم؛ فكيف بمجتمع عروبي أصيل أن يتقبل مثل ذلك الوضع الشاذ، ويتعايش معه دون أي اعتراض؟! وبقراءة فاحصة نجد أنَّ أول من أسسها - أي تلك الإشاعات - هو كاتب سيرة الهادي يحيى بن الحسين، أو من وسع في تلك السيرة، حيث جاء فيها: «أظهر ابن فضل لعنه الله المجوسية، وأمرهم بنكاح الأمهات والأخوات، وشرب الخمر، وحرم جميع الحلال، وأحل جميع الحرام، وكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من عند الله عزوجل، وتسمى برب العزة عليه سخط الله ولعنته ولعنة اللاعنين». وأضاف ذلك المُؤرخ مُتحاملًا: «وأمر من كان معه أن يُسلموا الأموال والحُرم، ويخرجوا إليه من جميع ما في أيديهم، فشد منهم جماعة، ولحقوا ببلدانهم، وثبت هو ومن أقام معه على كفرهم، فكان جميع من عنده من النساء في دار، فإذا كان ليلة الجمعة جمع الرجال فأرسلهم على النساء، فتقع الأم للابن، والأخت مع الأخ، فيفجروا بهن في ليلتهن تلك، فمن امتنع من ذلك قتله، وأباح حرمته لمن كان معه، تمردًا وكفرًا وجرأةً على الله عزوجل».

كانت تلك هي البداية والأساس الذي اتكأ عليه كثير من المُؤرخين المُتأخرين، وليتهم اكتفوا بذلك؛ بل أضافوا، وحوروا، وبدلوا، وجعلوا من ابن الفضل شخصية سادية، وانتهازية، ونسبوا إليه أبيات شعرية تؤكد ما جاء في كتاب سيرة الهادي، ومنها نقتطف: خـذي الـدف يا هـذه واضربي وغــني هـزاريــك ثـم اطـربي تـولى نبـي بني هــــاشــــم وهــذا نـبـي بـــنـي يـعــرب وقد حط عنا فــروض الصلاة وحــــط الصـيـام ولـم يتـعب ولا تطلبي الســعي عنـد الصفا ولا زورة الـقـبر فـي يـثرب ولا تـمنعي نفســـك الـمعـرسين مـن الأقــربيـن ومن أجنـــبي فمــن أيـن حللـت للأبعــدين وصــرت مـحـرمـة لـلأب؟ وما الـخمـــر إلا كمــاء السـماء حلالًا فـقــدست من مـذهب كان القاضي نشوان الحميري أول المُشككين بصحة ذلك الشعر، ونسبته لابن الفضل أو لأحد شعرائه، وعده في كتابه (الحور العين) من الأبيات الخطابية، وعلى نهجه مضى كثير من الباحثين والمُؤرخين المُتاخرين، وهذا المُؤرخ محمد بن علي الأكوع قال في إحدى كتبه: «حيكت حوله - يقصد ابن الفضل - دعايات، ووصموه بأبشع الأعمال، ورموه بالمُوبقات، وإخلاله بالشريعة المحمدية، وخروجه عن القانون السماوي، والمنطقي، والعقلي، والغيرة الإنسانية، والشهامة العربية اليعربية، مما يحتاج كل ذلك إلى تمحيص، وتحليل، ووزن تلك الأقاويل بميزان العقل، والسير، والتقييم، وبالتجرد للحقيقة، وللحقيقة وحدها فحسب».

وعن ابن الفضل قال المُؤرخ عارف تامر في كتابه (أروى بنت اليمن) أنَّه كان قائدًا بارعًا، وحاكمًا ناجحًا، ووطنيًا مُتحمسًا، فخورًا بقحطانيته، ذا سياسة بارعة حكيمة في السلم والحرب، وصاحب شهامة، وإقدام، وإيفاء للعهود والمواثيق، وحماية المظلومين، ونصرة مبادئ الحق. الدكتور حمود العودي هو الآخر قال في كتابه (المدخل الاجتماعي في دراسة التاريخ): «وتمكّن - يقصد ابن الفضل - من توحيد اليمن كاملة، وتطبيق المبادئ الاجتماعية الجماعية، والمساوة بين جميع الناس، وتنظيم شئون حياتهم الاقتصادية، على أساس من العدل الاجتماعي والمساواة، وتكافؤ الفرص، حتى توفي مسمومًا بمؤامرة من خصومه، بعد ما يقرب من عشرين عامًا من حياة الوحدة الوطنية التي آمن بها، وترك ما عداها من الارتباطات الخارجية غير الواضحة». .. يتبع


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار