السبت 26 سبتمبر 2020
ست ساعات وجريمة
الساعة 06:46 مساءً
وضاح محمد وضاح محمد

تخنقني غصة كبيرة مذ شاهدت مقطع فيديو لتعذيب الشاب عبدالله قايد الاغبري، في غرفة للمقيل بصنعاء؛ حسب ما يظهر في المقطع المسرب، يداهمني قهر لا يطاق بعد أن رأيت إلى أين وصلت بنا الحرب من التوحش والإجرام لمشاهدة مثل هكذا حالات لاإنسانية بكل ما للكلمة من معنى.

يوم بعد يوم يتضاعف حجم خسائرنا في مسيرتنا الإنسانية بشكل مرعب ومريع؛ نرى واقعنا الذي نعيشه ينحدر للهاوية أكثر فأكثر فلا نفعل شيئاً لإيقافه أو تحصينه، أجزم أن الحرب ستنتهي بنا إلى أن نصبح مخلوقات من نوع آخر كان اسمه الإنسان أو كان يطمح الى أن يكون إنساناً.

تتشبع مخيلتنا بمئات المشاهد من "الفجائع" التي تتعدد طرق وأساليب ارتكابها وأدواتها وجلادوها؛ وتوّثقها عدسات الهواتف أو كاميرات المراقبة، لا نكاد ننتهي من فاجعة أو مأساة إنسانية إلا وأخرى تنتظرنا بمشاهد أفظع وأرعب لجريمة تفنن فيها مخلوق يُنسب الى بني البشر، ما يعني أننا سنخرج من هذه الحرب؛ بالإضافة لضحاياها وخسائرها ومجرميها، سنخرج برصيد كبير من السفّاحين والقتلة وأكوام من ملفات الجرائم الجنائية.

سيكون علينا أن نبحث عن عالم آخر نكمل ما تبقى لنا في هذه الحياة؛ إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التشخيص النفسي للكاتب "ممدوح عدوان" لعالم القمع المنظم والعشوائي؛ الذي وصفه بأنه عالم لا يصلح للإنسان ولا لنمو إنسانيته، بل هو عالم يعمل على حيونة الإنسان، أي تحويله الى حيوان، فلا أظن أن الجميع لديه استعداد لقبول هذه الفكرة؛ أي حيونة إنسانيته.

أقول هذا بعد أن شاهدت قطيعاً من الوحوش المفترسة تنهش جسد شاب لم يتجاوز العشرين عاماً، دون أدنى وازع إنساني أو آدمي؛ لمدة ست ساعات متواصلة إلا من وجبة عشاء تناولها الجلادون بالقرب من جسد الضحية المكوم في ركن الغرفة.

لا يمكن بأي حال تبرير هذه الجريمة العدوانية البشعة مهما كانت الأسباب أو القضية التي يروج لها البعض ويتهمون الضحية بها، لا يوجد إنسان من فصيلة بني البشر يُقدم على ارتكاب جريمة قتل بهذه الطريقة القذرة والعفنة واللاإنسانية؛ هؤلاء مجموعة من القتلة المتمرسين في عمليات القتل بطرق تعذيب بشعة؛ لإشباع غرائزهم الوحشية.

لكن المخيف جداً هو ما صارت إليه حياتنا أمام مسلسل الجرائم والبشاعة والتعايش المتنامي مع الأوجاع والآلام باعتبارها أحداث عابرة لا تأخذ أكثر من منشور أو تغريدة للتضامن والتنديد أو الدفاع والتبرير، لقد تعودنا وأصبحت مشاعرنا وأحاسيسنا ميّتة، ماتت الشعيرات الحساسة في إنسانيتا وآدميتنا وأرواحنا، ماتت لأنها تعودت هذا الإجرام الذي يمارسه الإنسان على إنسان آخر.

فقدنا الكثير من كرامتنا وإحساسنا ومشاعرنا حتى صرنا نتعود الجريمة والبشاعة المحيطة بنا، لنا ولغيرنا، وصرنا نتقبل هذا التعامل غير الآدمي والعنف الذي يُعامل به غيرنا على مرأى منا في الحياة أو حين نراه ونشاهده على وسائل التواصل الاجتماعي.

لا أدري متى مر عليًّ عنوان لبحث علمي في إحدى الجامعات الأوروبية، يتحدث عن نتائج مخيفة لتجربة أجريت على البشر للوصول إلى جواب عن السؤال التالي: إلى أي مدى يمكن أن يصل الإنسان في إيقاعه الأذى بإنسان أخر، أو التسبب له بالألم؟ فكانت الإجابة 60% (القتل).

لكني هنا متأكد وأُطمّئن الجميع أنه لو أُجريت هذه الدراسة في منطقتنا فستكون النتيجة مُشرفة كثير لمجتمعاتنا؛ ولربما كانت النسبة فوق المستوى المطلوب للدراسة، فهناك مجرمون مستعدون لتنفيذ أي أمر مهما كان شنيعاً.


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار