الأحد 20 سبتمبر 2020
الزرانيق مصارع الزنابيل (2-3): معركة ذات السلاسل
الساعة 06:10 مساءً
بلال الطيب بلال الطيب

عام جديد أطل 1929م، ولم يحقق أحمد يحيى حميد الدين (الملقب حينها سيف الإسلام) أي انتصار؛ بل أجبره المقاومون على الفرار، وهو المـُـتكبر العنيد لم يستسلم لليأس، أطلق صيحته الشهيرة الجاح – اسم وادٍ شهير هناك، دارت في أحراشه كثير من المعارك – مُستنجدًا بأبيه وبأمير تعز آنذاك علي الوزير، طالبًا المدد، وقد خاطب الأخير بالقول: «يا جمال الدين هل من غارة»، وهي قصيدة طويلة، شبهَ بها مُقاتلي الزرانيق بالجن لكثرة فتكهم بعساكره، قال فيها:

صاح أنَّ الجاح قد أضنى فؤادي
وكسا عيني بأنواع السهادِ

فجميع الجيش عندي نصفه
هده السقم بآفات شدادِ

لم أجد جيشا وعونا للذي
رمته إن خضت بحر للجِلادِ

وقال أيضاً:
صاح أن الجاح مصدق الفعالِ
يعرف الأشوس منا في القتالِ

تعلم الأيام من أشجعنا
وترى الأمضى سرى تلك الليالي

كلما أعملت في القوم الردى
طلعوا كالجن من بين الرمالِ

دفعت تلك المناشدات الإمام يحيى لتجييش بعض أبناء القبائل، وتأليبهم لنصرة ولده، قائلًا لهم: «انصروا مذهبكم»، وبالفعل تحركت قوات كثيرة صوب تهامة لنجدة سيفه المثلوم، وكانوا ينشدون:
سادتي أنتم نجوم الأرض دايم
من سعادتكم نزلنا للتهايم
نرضي الله والإمام

ما أن وصلته تلك الإمدادات؛ حتى أعاد أحمد الهجوم على وادي الجاح، في البدء سقطت الدريهمي، لتقوم قواته فيها وفي محيطها بعمليات سلب شنيعة، حتى الأشجار لم تسلم من أذيتهم، قطعوها، وأحرقوا ما تبقى منها، ثم باتوا – ليلتهم تلك – في سائلة الجلة، ولم يأتِ عليهم صباح اليوم الثاني إلا وأبطال الزرانيق فوق رؤوسهم، هزموهم شرَّ هزيمة، وقتلوا القاضي القيسي أحد أبرز قاداتهم، وأجبروهم في النهاية على الفرار، وغنموا من عدتهم وعتادهم الشيء الكثير.

اتهم الحاكم البريطاني حينها لجزيرة كمران السلطات الإمامية بإقدامها على «حرق ما لا يقل عن ثلاث عشرة قرية، وتدمير نحو ثلاثين قاربا، وتسميم مُعظم الآبار، وقطع الآلاف من أشجار النخيل، ومصادرة معظم ما تمتلكه القبيلة من ثروة حيوانية»، وتذكر إحصائية أخرى أنَّ القوات الإمامية أقدمت على نهب 100 منزل خارج قبيلة الزرانيق لأناس مسالمين لم يكن لهم في تلك الحرب ناقة ولا جمل.

بعد سقوط الدريهمي، نقل أبطال الزرانيق مركز قيادتهم إلى الساحل فبراير 1929م، أما أحمد فقد استقر مُدة بجبل قحمة – شمال بيت الفقيه، مُكثفًا من استعداداته لجولة حاسمة، خاصة بعد أنْ صارت ذات المدينة تحت نيران مدافعه.

في البدء أرسل بمكتوب للشيخ يحيى منصر معروف، وغيره من مشايخ زرانيق الشام، طمنهم فيه، وقال أنَّه لا يريد حربهم، كما حثهم على الاستسلام، والدخول في طاعة الأمام، وقد رد عاقل عزلة التينم عليه قائلًا:

«إذا كان الله ملّك أحمد أرضنا، فلن نملكه أرواحنا وفينا عرق ينبض».

في صباح اليوم التالي، تحرك السيف أحمد بجيشه الجرار قاصدًا بيت الفقيه، بعد أنْ ظن أنَّ مكتوبه الخدعة سينطلي على الثوار، وأنَّهم سيركنون للدعة والاستقرار، مُكلفًا القائد أحمد السياني بالمرور من طريق العباسي، إلا أنَّ المقاومين كانوا للأخير ومن معه بالمرصاد، أما هو فقد تحرك صوب قرى الباردة، والحيدرية، والقزعة، وبعد أن عاث فيها نهبًا وخرابًا، قرر الهجوم على قرية القوقر، وهناك حصل له مالم يكن في الحسبان.

الثلاثاء 6 مايو 1929م، لم يكن يومًا عاديًا في تاريخ قبيلة الزرانيق، وتاريخ رجالها الأشاوس؛ بل كان يومًا مشهودًا، حدثت فيه معركة كبرى، شهدت قرية القوقر فصولها الدامية، أُجبرت فيها قوات السيف أحمد على الفرار، بعد أن تركوه وحيدًا، مُخلفين ورائهم عشرات القتلى، بينهم قادة كبار، منهم الأمير يحيى بن محمد – حفيد الإمام الهادي شرف الدين – والأمير عبد الرحمن بن محمد المتوكل، وغيرهم.

يقول كاتب (السيف) أحمد، المـُـؤرخ حسن بن أحمد الإرياني في كتابه «صادق التحاقيق بما حدث في قبيلتي حاشد والزرانيق»: «أقبلت جموع الزرانيق من كل جهة تتنمر، وأقدموا إلى القتال فما منهم من تأخر، فجرت معركة عظمى، شرب الرمل من دم القتلى، وأجلى البغاة المجاهدين من القوقر، وتبعوهم تبعة رجل واحد، وأحس مولانا بفرار الجيش، وهجوم البغاة، وأسرع إلى تأمين روع الجيش، وأمر بعض الخيالة برد من جدّ في الفرار، فلم يجدي ذلك؛ بل فروا حين رأوا ما لا قبل لهم به».

من جهته أرجع المـُـؤرخ التهامي د. عبدالودود مقشر سبب شهرة تلك المعركة على سواها لأسباب كثيرة؛ أهمها استخدام المُقاومين لتكتيكات حربية جديدة، كتقييد أرجلهم بسلاسل حديدية، والقتال حتى الموت، واختيارهم لـ 100 فدائي كمشاريع هجومية استشهادية، التقى بعضهم بالسيف أحمد وجهًا لوجه، وكادوا يقتلوه، وقد نجا منهم بأعجوبة.

وفي الحوار الصحفي الذي سبق وأشرنا إليه، قال الإمام أحمد عن تلك المعركة: «والتقينا معهم وجهًا لوجه، ودارت أعنف المعارك حتى كادوا أنْ يستولوا على المدفع السريع، ولكننا صديناهم واسترجعناه من بين أيديهم بالسلاح الأبيض، وهذا كله صورته في إحدى قصائدي»، ومن تلك القصيدة الطويلة نقتطف:

ولما رأيت الجيش قد فل حده
وقد رجع الأعقاب بعد التقدمِ

ونادى باسمي المستجير من الردى
لإدراكه والشر في الناس ينتمي

وتأكيدًا لذلك، قال صاحب صادق التحاقيق: «لما عرف بعض رؤساء البغاة أنَّ المكافح لهم هو مولانا، كادوا يلقون بأنفسهم عليه، فمنهم من يقابله بالرمي، ومنهم من يسير إليه بأن يدني منه، ومنهم من سعى إلى مولانا سعيًا بلا اكتراث، وهو الشيخ عمر أحمد من مشايخ قبيلة الجحبى المنضمين إلى الزرانيق، لم يبق بينه وبين مولانا إلا قدر خطوات يسيرة، وكانت له إرادة خبيثة، فما نال إلا ما يستحق، وما ظفر بما لم يطق».

غير عمر أحمد، كان هناك محمد يحيى دحيا، وأحمد شلاع جروب، قاما بذات الموقف، الأخير كان أكثرهم شجاعة، توجه كالإعصار صوب السيف أحمد، قاصدًا قتله، وهو يصرخ: «أحمد لاقى أحمد»، إلا أنَّ حراس السيف أحاطوا به، أسروه ووضعوه على فوهة المدفع السريع، لم يخف لحظتها؛ بل ركل ذلك المدفع بقدمه، وقال مخاطبًا سيدهم: «مدفع.. مدفع الراحتين ودينا»، وكانت نهايته شهيدا كأصحابه.

 


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار