الأحد 8 ديسمبر 2019
المؤتمر والإصلاح.. جذور الخلاف ومداخل التقارب
الساعة 08:55 مساءً
عادل الأحمدي عادل الأحمدي

 

في البداية أُقرّ آسفاً، أنني أعتبر التجربة الحزبية في اليمن هي السبب المساعد في الأوضاع المأساوية التي وصلت إليها البلاد، وأن الخلافات بين الأحزاب الوطنية كانت هي الرافعة التي وصلت بها المليشيات الحوثية الإيرانية الى صنعاء. ومع ذلك فإن الظرف اليوم، لا يقتضي محاكمة هذه التجربة أو ترك التعامل مع مكوناتها، لأنها أصبحت أمراً واقعاً، وكذلك لأنها مثلما كانت سبباً في المشكلة فإنها اليوم ستكون سبباً في الحل إذا تخلصت من ميراث الصراع فيما بينها وشرعت في فتح صفحة جديدة تتدارك فيها الوطن مما آل إليه... علماً أن هذا الموضوع كان محلّ اهتمام خاص منذ أكثر من عقدين، ولديّ إرشيف لا بأس به، من الكتابات منذ ما قبل 2011 وبعدها، حاولت فيها تخفيف غلواء التنافس الحزبي الشرس وخصوصاً بين الحزبين الكبيرين المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح، لكونه كان يصبّ بطريقة تخادمية في مصلحة التيار الإمامي. وأحسب أيضاً، أن لديّ تجربة لا باس بها، في تتبُّع جذور الخلاف وأطواره وشخوصه.

 

توطئة

 

يمثل حزبا المؤتمر والإصلاح أكبر أحزاب الجمهورية اليمنية ويمتدان على خارطة البلاد شمالاً وجنوباً. ولعلّ الحديث عن مسؤولية الأحزاب فيما وصلنا إليه، يتوجّه إليهما أكثر من غيرهما.. وأثناء سعينا للبحث في عوامل التقريب بين هذين المكونين الهامين، لا بأس من عرض لمحةٍ موجزة لتأريخ العلاقة بينهما وجذور الخلاف.

وقد بدأت العلاقة بين المكونين أثناء تأسيس المؤتمر الشعبي العام الذي أعلن عنه في ٢٤ أغسطس ١٩٨٢م حيث أسهما إلى جانب مشارب سياسية أخرى، في تأسيس المؤتمر الشعبي كمظلمة وطنية جامعة وحزب حاكم أوحد يحكم شمال اليمن في مقابل الحزب الاشتراكي اليمني الذي كان يحكم الجنوب. وكانت لمسات الإخوان المسلمين (التيار التنظيمي الأبرز في حزب الإصلاح) واضحة في إعداد مضامين "الميثاق الوطني" الدليل النظري لحزب المؤتمر. وبعد قيام الوحدة في عام 1990 وإعلان السماح بالتعددية الحزبية، انزاح جزء من المؤتمر بقيادة الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر مكوّناً حزب الإصلاح. وظل الحزبان يقومان بدور متناغم في مواجهة الحزب الاشتراكي شريك الوحدة. ووصل هذا التناغم ذروته في التحالف بينهما أثناء حرب صيف ١٩٩٤ التي أزاحت الاشتراكي. وسمعت من سياسيين مطلعين، أن الإصلاح رفض عرضاً قدّمه صالح مع نهاية تلك الحرب، يقترح فيه عودة اندماج الحزبين في مظلة المؤتمر من جديد. ومنذ ذلك التأريخ بدأ العدّ التنازلي للعلاقة الإيجابية بين الحزبين حتى وصلت الى درجة الافتراق بعد انتخابات ١٩٩٧ البرلمانية. وظل ذلك الافتراق في حدود المقبول إذ عاد التحالف مجدداً في رئاسيات ١٩٩٩، حيث اتفق الحزبان على مرشح رئاسي واحد وهو علي عبدالله صالح رئيس المؤتمر.

لكن التأزّم عاد مجدداً بعد محليات ٢٠٠١ التي عززت حضور المؤتمر في السلطة وكذلك عقب انتخابات ٢٠٠٣ البرلمانية التي واصل فيها الحصان المؤتمري ركله للإصلاح وبقية الأحزاب، الأمر الذي عزز اندفاع الإصلاح الى حضن مجلس التنسيق الأعلى لأحزاب المعارضة مكوّناً معها أحزاب اللقاء المشترك، ذلك التكتل الذي ضمّ أحزاباً إمامية كهنوتية تضمر الشر للوطن، وأحزاباً سياسية وطنية تضررت من تحالف الإصلاح والمؤتمر في 1994، تبذل كل جهدها لتوسيع الخلاف بينهما. واتفق هذا التكتل المعارض على اختيار مرشح رئاسي في مواجهة صالح، هو فيصل بن شملان في رئاسيات 2006، وخلال تلك الانتخابات قام الإصلاح بدور شرس في الدعاية الانتخابية ضد صالح كما قام صالح بإطلاق جملة تصريحات أوغرت صدور الإصلاحيين، وعمّقت الشرخ بين الحزبين.

وجاء مطلع العام ٢٠١١ بموجة ما يسمى "الربيع العربي" ليقود الإصلاح مع باقي الأحزاب في المشترك، الاحتجاجات الداعية لإسقاط صالح، بعد تردّدٍ يسير. وأثناء ذلك تمّ اتهام رموز في الإصلاح بتدبير محاولة الاغتيال الفاشلة التي استهدفت صالح وثلة من معاونيه في مسجد النهدين يونيو ٢٠١١. وقد أفضت تلك الاحتجاجات إلى ترك صالح الرئاسة وفقاً للمبادرة الخليجية، وصعود الرئيس عبدربه منصور هادي نائب رئيس حزب المؤتمر. وهنا بلغت العلاقة بين الحزبين أكثر درجاتها تأزّماً، ودخلت طوراً جديدا من كسر العظم. وقد أفسح هذا الطور المجال لعصابات إيران أن تتسلل إلى صنعاء من جديد.

وباختصار، فإن العلاقة بين الحزبين تطورت من التحالف الى الائتلاف الى التنافس الى الخصومة، ثم تطورت من الخصومة الى العداوة. وخلال هذا الطور خسر الحزبان ومعهما الوطن، الكثير. ويمكن القول إنه منذ تسليم صنعاء للحوثيين في سبتمبر ٢٠١٤ انتقل كلا الحزبين من طور مراكمة الأخطاء الى طور دفع الأثمان الباهظة، ومازلنا نعيش هذا الطور، ولا يزال الخلاف مستمراً بينهما للأسف رغم كل الأحداث الذي عصفت بالبلاد. والواجب اليوم على كل القوى الخيّرة في اليمن وخارجه، تقديم المساعدة لكي يتجاوز الحزبان هذه المرحلة وينتقلا من طور دفع الثمن الى مرحلة الترميم والتصويب والتدارُك وفتح صفحة جديدة بينهما لتنسيق الجهود في سبيل استعادة الوطن المنهوب. وفي هذا الإطار تأتي هذه المساهمة.

ولتحقيق هذا التقارب الممكن فإن من المفيد، اولاً، تحديد أهم نقاط الخلاف ثم استعراض عوائق التقريب، ووضع أرضية مفاهيمية ورؤيوية للتقارب، وصولاً الى تقديم مقترحات إجرائية وعمليّة ينتقل بها هذا الهدف من عالم النظرية إلى واقع التطبيق.

 

أبرز محاور الخلاف

 

تتلخص أبرز نقاط الخلاف بين الحزبين في عناوين رئيسية يمكن إجمالها فيما يلي: 

- احتجاجات ٢٠١١ (ثورة فبراير).

- الموقف من صالح وعائلته.

- الوضع في مأرب المحسوبة على الإصلاح وجبهات الساحل الغربي المحسوبة على المؤتمر. 

- المناكفات الإعلامية والمهاترات المتواصلة بين بعض ناشطي الحزبين.

- الخلاف حول الحصص في التعيينات بالوظيفة العامة.

- الاختلاف حول نسب المسؤولية في إيصال أوضاع اليمن إلى ما وصلت إليه.

 

عوائق التقارب 

 

يأتي إيراد هذه العوائق بغرض تذليلها ووضعها في الحسبان، وليس بغرض تصعيب المهمة أمام التقريب، خصوصا أن هذه العوائق مهما بلغت


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار