الاثنين 18 نوفمبر 2019
من وحي انتخابات اسطنبول
الساعة 10:09 مساءً
محمد الشامي محمد الشامي

أفرزت إعادة الانتخابات البلدية في اسطنبول الكثير من النتائج والتحليلات ليست أقلها النتيجة الصادمة تلك لحزب العدالة والتنمية والمتابعين للشأن التركي، والمتمثلة بحصول مرشح الحزب على نسبة 45% من الأصوات مقابل 55% لصالح مرشح المعارضة وبفارق (777) الفا من الأصوات وخسارة الإسلاميين لبلدية اسطنبول للمرة الأولى منذ ربع قرن.!

لم تكن تلك النتيجة سوا استفتاء على شعبية الحزب ومدى رضى الناس بأدائه سواء في اسطنبول أو في غيرها، ولذلك كان الحزب حريصا جدا على إعادة التصويت ليقطع الشك باليقين ويكون الأمر محسوما ليبني عليه تقييمه وتقويمه وهو ماحصل بالفعل.

ثمت فروق جوهرية بين انتخابات تركيا الديمقراطية وغيرها من البلدان وانتخاباتها وديمقراطيتها، فالأمر لا يتعلق بشفافية الانتخابات ونزاهتها وسير العملية الانتخابية على الوجه المطلوب وهذا ما حدث بالفعل، وأثبت الحزب ديمقراطيته وعدالته من خلال صعود مرشح المعارضة على حساب مرشح الحزب الحاكم ولجولتين متتاليتين.

فسير العملية الانتخابية بهذا الشكل مؤشر إيجابي في دول ديمقراطية مثل إمريكا أو بريطانيا أو إسرائيل أو غيرها من البلدان التي تحترم إرادة الناخب وتعتبره هو صاحب القرار الأول والأخير في العملية السياسية الديمقراطية، فصعود مرشح المعارضة على حساب مرشح الحزب الحاكم يعتبر تكريسا للديمقراطية ونضجا شعبيا ونفسا ديمقراطيا إذ لا يعني هذا انتهاء دور الحزب الخاسر في الانتخابات، بل يعني تداولا سلميا وحضاريا للسلطة، ولكن الأمر يختلف تماما عنه في تركيا، فالذي يحدث في تركيا هو ديمقراطية من طرف واحد وهو حزب العدالة والتنمية الحاكم وليس انعكاسا لثقافة سائدة ومتجذرة وتطور على هذا المنوال.!!

ما نشهده الآن وما أثبتته الأحداث هو عمل دؤوب جار على قدم وساق لسحب البساط من الحزب الحاكم وقلب الموازين في تركيا من قبل دول نافذة ومؤثرة ودول أوروبية وعربية وأموالا خيالية ومعارضة نشطة وخلايا نائمة وأجهزة استخباراتية متطورة، وهذا ليس الغرض منه فقط التشفي والاحتفال بالفوز على الطريقة التقليدية، إذ أنه لو حدث وتغيرت المعادلة وصعدت أحزاب المعارضة وخسر حزب العدالة والتنمية في انتخابات رئاسية قادمة فإن ذلك سيعتبر الفصل الأخير من مسيرة الحزب وسيتم إسدال الستار على المشهد وإلى غير رجعة، ولن يتم السماح في أي حال من الأحوال لعودة الإسلاميين من بوابة الديمقراطية مجددا ولتذهب الديمقراطية إلى الجحيم.!

لا يعني بقاء الإسلاميين في السلطة أن ذلك من ضمانات الديمقراطية، بل هي مزيج من الديمقراطية والقوة معا، فما يحدث بعد ثورات الربيع العربي يختلف عما قبله بنسبة ربما تصل إلى 100%.!!

ما نراهن عليه في هذه المرحلة هو أسلمة الموقف بطريقة واقعية معتدلة، والنضج السياسي الذي وصل إليه الحزب، وخبرته العميقة والدروس المستفادة من الأحداث والتغيرات، والإحاطة والإلمام بكل التطورات، وما ننتظره من حزب العدالة والتنمية هو المراجعة الجادة لطبيعة الأداء، والاقتراب من الشعب أكثر، وتضييق الهوة، ومعرفة الاحتياجات والتطلعات.


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار