الثلاثاء 16 يوليو 2019
كيف يفكر الشيطان الأكبر؟!
الساعة 04:13 مساءً
بلال الطيب بلال الطيب

السياسة الأمريكية قائمة على المُراوغة، ومحكومة بالتوجس، ومُتقلبة حدَّ التباين، وتتجه حيثما اتجهت مصلحتها، وفي أغلب الأحول لا يتجاوز حديث ضحاياها عن نظرية المؤامرة، و«ماما أمريكا» التي تريد القضاء على السنة خدمة للشيعة، دون التعمق أكثر في تفاصيل هكذا إشكالية، خاصة وأن ذات الرؤية يتبناها الطرف الآخر، مع فارق أن هذا الفريق يلعنها صباح مساء، وينعتها بـ «الشيطان الأكبر».

«قاوم الهيمنة دون أن تهيمن، أو تبدو كأنك مهيمن»، حكمة صينية قديمة، أجاد الأمريكيون استخدامها، والمتتبع لتاريخهم خلال الـ «100» عام الفائتة، يدرك ذلك جيداً، تلاشت ثورية جورج واشنطن، وانتهت مثالية إبراهام لينكون، وطغت انتهازية العم سام، وكم كان «تشومسكي» محقاً، حين وصف دولتهم بأنها منبع الشرور على وجه الأرض.

قبل انتهاء الحرب العالمية الأولى أعلن الرئيس ولسون مبادئه الـ «14»، التي نص أحد بنودها على أن تتمتع القوميات الخاضعة للحكم العثماني بالأمن على حياتها، وان يفسح لها المجال للتطور نحو الحكم الذاتي، كما زكى في «مؤتمر فرساي» وضع أملاك الدولة العثمانية تحت الانتداب الغربي، بشرط أن يخضع ذلك لإشراف «عُصبة الأمم»، المؤسسة التي تبنى قيامها في ذات المؤتمر.

سلمت أمريكا حينها بنفوذ بريطانيا وفرنسا على الشرق الأوسط، وأقتصر نشاطها على شئون النفط، لتُصبح بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أكثر قوة وفاعلية، أبدت التمسكن حدَّ التمكن، ثم انتهجت أساليب القوى المُنحسرة؛ وفي الوقت الذي ناصرت فيه موسكو قضايا التحرر، عملت واشنطن على دعم اسرائيل، وإقامة قواعدها العسكرية في المنطقة، الأمر الذي جعل العرب ينظرون إليها بعيون الشك والريبة، واعتبروها شرطي العالم ذا العصا الغليظة.

في العام «1969» أعلن الرئيس نيكسون مبدأه الذي قلل فيه من أهمية استخدام القوة العسكرية في العالم الثالث، ما لم يدعم بأنظمة محلية قابلة للبقاء، ولمَّا كان التدفق المُستمر لنفط الخليج يمثل مصلحة أمريكية حيوية، فإن حماية الأنظمة الحاكمة هناك، باتت ضرورة مُلحة، وهو ما جعل وزير الدفاع هارولد براون يصرح حينها: «إن ما نراهن عليه في الخليج العربي هو الرخاء الاقتصادي، والعافية السياسية للولايات المتحدة وحلفائها».

بعد أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران، أعلن الرئيس كارتر مبدأه الشهير «1980»، وفيه شدد على ضرورة التدخل العسكري في الخليج، واعتبر أي محاولة من قبل أي قوة أجنبية للسيطرة على المنطقة، بمثابة عدوان على المصالح الحيوية الأمريكية، وهدد باستخدام القوة لمواجهة هكذا توغل.

أدت أزمة الرهائن لهزيمة «كارتر» أمام منافسه المُتعصب «ريغان»، وبعهد الأخير صارت السياسة الأمريكية أكثر غموضاً، أبدى مع نشوب حرب الخليج الأولى دعمه للعراق، وعمل سراً على دعم إيران، وبإذن منه قامت إسرائيل بقصف المفاعل النووي العراقي، كما قام وبتنسيق مع «الموساد» بمد طهران بأسلحة اسرائيلية متطورة «1985»، بصفقة سرية، أخذت اسم «كونتراً»، أنهت أزمة الرهائن، وألبت الرأي العام عليه.

بانهيار الاتحاد السوفيتي، أعلن الرئيس بوش قيام النظام العالمي الجديد، صارت أمريكا الحاكم الأوحد، وصارت قوتها العسكرية أداتها الفاعلة في رسم سياستها الخارجية، تفرد الصحفي بوب وودوورد في كتابه «القادة» بنقل تفاصيل ذلك التحول، مُستعيناً بشهادة «400» من صانعي القرار، مُنتهجاً الأسلوب الصحفي الاستقصائي، تاركاً للقارئ مهمة التحليل والاستنباط.

كانت واشنطن على علم بطموحات صدام حسين التوسعية، ألمحت له بعدم تدخلها إن هو تمدد جنوباً، انسحب من الأراضي الإيرانية، وبسرعة خاطفة اجتاح الكويت، ولإدراك الشيخ جابر الأحمد أن واشنطن جزء من تلك المؤامرة، رفض في مقر إقامته بالرياض مقابلة وفدها المرسل لذات الغرض، تدخل حينها الملك فهد، ورأب الصدع بين الجانبين.

«بوب» الذي تناول «18» شهراً من تاريخ أمريكا، كشف ومن داخل الغُرف المُغلقة أسلوب إدارة ساستها لحرب الخليج الثانية، تعمق أكثر في كيفية تقيمهم للأحداث المُتسارعة، وكيف اعتمدوا على دراسة الآخر، تاريخاً، وفكراً، وسلوكاً، بنوا رؤاهم المستقبلية على ذلك، وأعدوا أكثر من خطة بديلة للقضاء على خصمهم الحقيقي والمُحتمل، وحين تخوف أحد الزعماء العرب من غضب الجماهير لتأييده سياستهم، نصحوه: «دعهم يتظاهروا و...»!!.

«أنا وجورباتشوف أنهينا الحرب الباردة، وقبل ذلك كان الاتحاد السوفيتي هو العدو»، قالها «بوش» الأب، مُلمحاً خلال حديث له طويل، إلى الإسلام كعدو بديل، وهي السياسة التي تبناها ولده الأكبر علانية، وتبناها «أوباما» تورية، وتبناها «ترامب» قبل أن تطأ قدميه البيت الأبيض بصورة أكثر عدوانية، أزعجت أصدقاء أمريكا قبل أعدائها، فيما يرى البعض أن لا فرق بين هذا الأخير وسابقيه، إلا بكونه أقلهم مراوغة. 

يدرك الساسة الأمريكيون حقيقة أن الأيام دول، وأن دولتهم مصيرها الزوال، وتبعاً لذلك فإن مصلحتهم الأم تكمن في إطالة عمر بقاء الدولة، وهي سياسة أعلن عنها قبل «14» عاماً، تم حينها إنشاء مراكز أبحاث عنيت بدراسة تاريخ الإمبراطوريات الأطول عمراً، وقد كانت «دولة المغول» التي اكتسحت المشرق العربي بمساعدة من الشيعة، مثال قابل للتطبيق. 

«هولاكو» الذي أشعل الحرائق في كل مكان حفاظاً على دولته، صار قدوة لـ «بوش» الابن؛ مع فارق أن الأخير أنهى تدميره لأفغانستان والعراق باعتذار، فيما استمر خلفه وعلى نار هادئة، برسم خارطة الشرق الأوسط الجديد، وبنشوب ثورات الربيع العربي، صارت الفرصة مواتية لإدخال المنطقة في سلسلة من الصراعات اللامتناهية، والاستنزاف الطويل.

أمريكا التي تنبأت بتلك الثورات قبل حدوثها، عملت على تشويهها، وجعلتها تبدو كالمؤامرة التي حبكت هي تفاصيلها، استفادت من انهيار الدول، ووقفت مع الجميع ضد الجميع، وهذا ريتشارد لوتواك كتب قبل ثلاثة أعوام مقالاً بعنوان: «في سوريا: ستخسر أميركا إذا كسبَ أيٌّ من الأطراف»، ناصحاً صانعي القرار الأميركي: «سلِّحوا المتمردين كلما بدا أن قوات السيد الأسد في صعود، وأوقِفوا دعمهم كلما بدا أنهم سيكسبون المعركة»، وهو ما تم بالفعل، وعلى ذلك وجب القياس.

لا يتحرج بعض الساسة الأمريكيين من الإشارة وعلى استحياء إلى دعمهم للشيعة، مبررين ذلك، بأن السنة أكثر انقساماً، وأكثر تهديداً لمصالحهم، فيما تكمن رغبتهم الجامحة، غير المُعلنة، بالقضاء على الجميع، ولكن بعد حين، فإنهاء المعركة الآن، يعني الاستعداد لمعركة أخرى، قد يكونوا واليهود طرفاً فيها، وإذا ما انحرف حليفهم الخفي «إيران» ـ نصف صديق كما يسميه البعض ـ عما هو مخطط، وتجاوز المحظور، فسيأذنون لحليفهم الوفي «السعودية» بتحريك أدواته الجهادية، التي سبق تحريكها في أفغانسان، ودعم حركات المقاومة الوطنية، غير المرتهنة، المخدوعة به، والمُجبرة على خوض هكذا صراع.  

طهران والرياض وفق هذا المعادلة الجهنمية في مأمن، تماماً كتل أبيب وواشنطن، وهما بالفعل أدوات للأخيرة لا أكثر، بطرق عديدة، مباشرة، وغير مباشرة، أرادا ذلك أو لم يريدا، وما يدركانه جيداً، أن بقائهما مرهون ببقاء الصراع، واستمرار ضخ النفط، وإذا كانت أمريكا هي الشيطان، فهما قرناها المعوجان اللذان يتوجهان حيثما توجه رأسها، ولا ولن يلتقيان.

تتغير السياسات الأمريكية بتغير عرابيها، وتبقى المصلحة هدف ثابت لا يتغير، وكم من حليف ساذج طلبت منه واشنطن أن يكفر، فلما كفر قالت له: «أني بريء منك» تماماً كـ «إبليس»؛ تخلت عن الرئيس الباكستاني «مشرف»، والفلبيني «ماركوس»، والإندونيسي «سوهارتو»، والكوبي «باتيستا»، وما زال في القائمة مُتسع وبقية، ويبقى السؤال: متى وكيف ستتخلى عن قرنيها؟!.


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار