الاثنين 18 نوفمبر 2019
الوحدة شعار لا قرار
الساعة 10:31 صباحاً
بلال الطيب بلال الطيب

هناك مُغالطات مُنمقة بأوهام التاريخ، تزدحم بها مَناهجنا ووسائلنا الإعلامية، تفرض نفسها على حساب المعلومة الصحيحة، وتتكرر بصيغة: «الوحدة الضاربة جذورها في أعماق التاريخ»، وأن الانقسام والتجزئة ما هو إلا صنيعة استعمارية مُستجدة، والحقيقة المؤكدة أنَّ اليمن وعبر تاريخها المُمتد لم تتوحد سوى ست مرات فقط.
     
كان التوحد الأول في القرن الثالث الميلادي بقيادة الملك الحميري «شمر يهرعش»، الذي حمل اللقب الطويل «ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت»، واستمرت لثلاثة عقود، وفي العهد الإسلامي قُسمت اليمن إلى عدة مخاليف، تراوحت أعدادها بين الاثنين والأربعة، ثم أصبحت ولاية واحدة مع نهاية العهد الأموي، وبداية العهد العباسي الأول.
    
علي الصليحي «الدولة الصليحية»، وسيف الإسلام طغتكين «الدولة الأيوبية»، و«المظفر» يوسف بن عمر «الدولة الرسولية»، تمكن ثلاثتهم من توحيد اليمن في القرن الخامس، والسادس، والسابع الهجري لبضع سنوات من كل قرن، وفي القرن الـ «11» الهجري تمكن «المتوكل» إسماعيل «الدولة القاسمية» من توحيد اليمن للمرة الخامسة لأقل من ثلاثة عقود، ولم تعرف اليمن الحدود الفاصلة بين شمالها وجنوبها إلا في عهدي الاحتلال الإنجليزي، والتواجد التركي، وسُجل ذلك رسمياً بداية العام «1914م».

عندما زار المُناضل العربي الكبير عبد العزيز الثعالبي اليمن «أغسطس 1924م»، كانت الوحدة اليمنية همّه الشاغل، وخلال فترة بقاءه التي تجاوزت الشهرين سعى لتقريب وجهات النظر حولها بين سلاطين الجنوب والإمام يحيى حميد الدين، كان الأخير مزهواً بانتصاراته التي حققها على اليمنيين، وفي غمرة ذلك الانتشاء أصر على أن يكون الحاكم الأوحد، وبيده مقاليد كل شيء، سلاطين الجنوب من جهتهم وضعوا برنامجاً أسموه «إصلاح الحكم»، دعوا فيه إلى نظام «اتحادي فيدرالي»، يرتكز على أسس «دستورية»، وأن يكون للدولة الجديدة «حكومة» تقوم مقام الإمام، و«مجلس أمة» يمثل الشعب.
      
فشلت مهمة «الثعالبي»، واستمر الإمام يحيى في خوض حروبه الجنونية ضد اليمنيين، رافعاً شعار الوحدة، مُتبعاً سياسة من سبقه من أئمة، وكان طيلة جولاته التفاوضية مع الإنجليز دائما ما يطالبهم بأراضي أجداده، مُستدلاً بسيطرة «المتوكل» إسماعيل على الجنوب، ناسياً أن أبناء تلك المناطق تعاملوا مع أجداده كمُحتلين، تماماً كما تعاملوا مع قواته.
                 
خسر الإمام يحيى معركته مع الإنجليز، وخسر أيضاً مَناطق «الضالع، الشعيب، الأجعود، القطيب» التي سبق واحتلها، وانسحب سلماً من «العواذل، وبيحان»، فتح الإنجليز معه تبعاً لذلك صفحة جديدة، وقعوا «معاهدة صنعاء»، وفيها اعترفوا باستقلال مملكته، ونجحوا بانتزاع اعتراف منه بالحدود الشطرية «11 فبراير 1934م». 
     
ظل الإنجليز والإمام يحيى جاثمين على أنفاس اليمنيين، لم تكن الوحدة حينها بالشيء المُقدس عند الأحرار الأوائل، بقدر ما كان همهم تحرير الإنسان، الشهيد محمد أحمد نعمان نقل لنا جانباً من أراءهم في كتابٍ أسماه «من وراء الأسوار»، في حناياه جزم المُناضل أحمد المروني أنَّ سكان «اليمن الأسفل» أكثر فهماً ودراية بما يهدف إليه الأحرار من ثورتهم، ومناطقهم مهيأة لقبول هذا الطارئ المُنقذ، أما مناطق «اليمن الأعلى» فهي حد وصفه ميدان للتشيع والغلو، وسكانها وإن بدو ساخطين من الوضع، فسرعان ما ينقلب سخطهم إلى رضا؛ خاصة عندما يسمعون «أبناء النبي» يطلبون نجدتهم، وهنا ينسون كل شيء، وينتصرون للآل والمال. 
      
فيما رأى المُناضل عبدالرحمن الإرياني أنَّ حركة الأحرار لا يمكن ان تنجح في «اليمن الأعلى» إلا على أساس حطم صنماً وانصب صنماً آخر، ومن نوع الأصنام التي ألفوا عبادتها، ودعا إلى أن يركز الاحرار جهودهم في العمل على اتخاذ «اليمن الأسفل» مركزاً لحركتهم، ودولتهم الجديدة، ولا ضير أن يتولى قيادتها مناضل «زيدي - قحطاني».
     
شاركهما الرأي المُناضل محمد عبدالله الفسيل الذي ختم مداخلته بقوله: «فإذا تكونت حكومة الأحرار وأصبحت حقيقة واقعية في المنطقة الشافعية أمكن اكتساح المنطقة الزيدية، وإعادة اليمن إلى وحدتها»، أما أبو الأحرار الشهيد محمد محمود الزبيري فقد أكد في كتابه «الإمامة وخطرها على وحدة اليمن» على أن الأغلبية الشافعية لن تقبل أن تحكم حكماً مذهبياً لا يعبر عن إرادتها ولا عن عقيدتها، وأن الانقسام سيبقى ما بقيت الإمامة.

جذبت ثورة «23 يوليو 1952م» إليها الأحرار من كل البقاع، وكان لأثير إذاعة «صوت العرب» عظيم الأثر في إنعاش الروح القومية، الهبت شعاراتها حماس الجماهير، لتتجسد على وقعها واحدية النضال اليمني، وتركز العمل على «التحرر من الاحتلال البريطاني، والاستبداد الإمامي، وتحقيق الوحدة اليمنية».
 
وفي المقابل حددت ثورة سبتمبر منذ اللحظة الأولى لانطلاقها حقيقة توجهها الوطني كثورة شاملة لا تعترف بالحدود الشطرية، وعبرت عن خطها الوطني المُعلن صبيحة الـ «26 سبتمبر 1962م»، كما جاء ضمن أهدافها الستة، أو في بيانها إلى الشعب اليمني، على اعتبار أنَّه «شعب واحد يؤمن بالله، وبأنه جزء من الأمة العربية»، عبر اليمنيون حينها عن فرحتهم بذلك الحدث العظيم، وفي شوارع عدن خرجت الجماهير مُحتفية، وبدأت طلائع المُتطوعين تتجه شمالاً للدفاع عن الجمهورية الوليدة.
     
بازدياد العمليات العسكرية المُوجهة ضد الجمهورية، بدأ المصريون يفكرون جدياً في إيجاد إطار سياسي يلم شتات الجنوبيين المتواجدين في الشمال، يستطيعون من خلاله تنظيم أنفسهم للقيام بعمليات عسكرية ضد الاحتلال، استغلت «حركة القوميين العرب» ذلك؛ وبدأت تروج لأفكار الكفاح المسلح، وتعد العدة لإنشاء تنظيم مُنبثق عن الحركة الأم، وأجرت اتصالاتها مع قياداتها في الخارج للاتصال بالزعيم جمال عبدالناصر للحصول منه على الضوء الأخضر.
   
جاء الضوء الأخضر، وتوجه قحطان الشعبي من القاهرة إلى صنعاء، وتمّ تعيينه مستشاراً للرئيس عبدالله السلال لشؤون الجنوب بدرجة وزير، وقد استطاع الأخير خلال فترة وجيزة أن ينال ثقة الجنوبيين، عقدوا أكثر من اجتماع، وكان أهمها ذلك الذي عقد بدار السعادة «24 فبراير 1963م»، وحضره أكثر من «100» ثائر جنوبي، تشكلت منهم النواة الأولى لحركة التحرر الجنوبية، واستقر الرأي على تسميتها باسم «جبهة تحرير الجنوب اليمني المُحتل»، وبرز على صدر ميثاقها شعار «من أجل التحرر والوحدة والعدالة الاجتماعية».
    
كانت شعارات الوحدة تؤذي الإنجليز وحكومتها الاتحادية، فأصدروا قانون صارم موجه لدعاتها «يونيو 1963م»، جاء نصه: «من يوافق أو يدفع الآخرين إلى التفكير بأن اتحاد الجنوب العربي يعتبر جزء من دولة أخرى، يتعرض لعقوبة السجن لمدة لا تزيد عن سبع سنوات، أو لغرامة لا تزيد عن خمسمائة جنيه استرليني». 
     
في الأسبوع الأول من «يوليو 1963م»، عقد في قرية «حارات» ناحية «الأعبوس - تعز» اجتماع تشاوري لعدد من أعضاء «حركة القوميين العرب»، وتم فيه الاتفاق على توسيع دائرة التحالفات الجنوبية على قاعدة الكفاح المسلح، وإضافة كلمة القومية لاسم الجبهة، وذكر سلطان أحمد عمر أنَّ قيادة الحركة اتخذت في ذلك الاجتماع عدة خطوات حاسمة، أهمها الإعداد للثورة، واختيار جبال ردفان لتفجيرها؛ لأسباب عدها استراتيجية.

وهكذا وكما بدأ أحرار الشمال نضالهم من الجنوب، بدأ أحرار الجنوب نضالهم من الشمال، تحت شعار «الاستقلال والوحدة»، آمن الغالبية بالوحدة حد التعصب، وحين دعا عبد الرحمن البيضاني من عدن، وقبل أن ينتهي ذلك العام لقيام «دولة شافعية»، رُمي بالأحذية من قبل الجنوبيين؛ التواقين لحظتها للوحدة مع الشماليين.
 


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار