الاربعاء 20 نوفمبر 2019
العصبية القاتلة
الساعة 09:15 صباحاً
بلال الطيب بلال الطيب

لم يسبق أن مرّ اليمن - السعيد مَجازاً - بظروف قاهرة كالتي نعيشها الآن، شتات ما قبله ولا بَعده شتات، عداء فاجر بين الأخوة الأعداء، وصراع مَرير لا يتوقف، يُقابله ريب جماعي، وندم صارخ مدفون تحت الكلمات، ولا حلول بادية في الأفق، قريبه والبعيد، وفي المُحصلة النهائية نجد أنفسنا نتجه صوب مآلات كارثية يصعب تخيلها.

الاستبداد - كما قيل - حربٌ مؤجلة إن استعرت لن تبقي ولن تذر، وما يمر به اليمن اليوم من مخاطر لا حد لها ولا حصر؛ ما هو إلا نتيجة متوقعة لتلك الحرب، فشل «المؤدلجون، والمتسلطون، والانتهازيون» في حكم هذا البلد التعيس؛ لأنهم جميعاً تجاهلوا طبائعه، وخصائصه التاريخية.

في نظريته التي استخلصها حول نشوء الدول واستقرارها، وتحللها واندثارها، أكد عبدالرحمن بن خلدون «إن الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قلّ أن تستحكم فيها دولة»، مُستشهداً بحظ الدولة الإسلامية بمصر، والشام، وبلاد فارس، لقلة القبائل والعصبيات فيها، فشأنها كما قال: «إنما هو سلطان ورعية»، بخلاف حظها مع قبائل البربر بأفريقيا والمغرب، المشابهة تماماً لقبائل اليمن الشمالية.

«ابن خلدون» قال أيضاً: «أنَّ العصبية إذا اقترنت بالدين لا يقف أمامها شيء»، وتبعاً لذلك؛ فقد أنعش الأئمة «الزيود» على مدى تاريخهم أسوأ ما في تلك القبائل، خلقوا لها المبررات العقائدية لجعل الفيد دين، والتسلط رجولة، أغـرقوا أبناءها في الجهـل والتوحش، وجرعوهم المعتقدات المسمـومة، ورسَّخوا فيهم التمايز الطبقي، والاستعلاء الفارغ، وبالنفسية البدوية العنيفة، والعقلية الشيعية الحاقدة، تدفـق هـؤلاء صوب مناطق «اليمن الأسفل» وتهامة، قتلوا، ونهبوا، ودمروا، جهاداً في سبيل الله، وإعلاءً لراية الإمام.

قامت ثورة «26 سبتمبر 1962» من أجل إقامة نظام جمهوري عادل، وإزالة الفوارق بين الطبقات، إلا أنها - للأسف الشديد - فَشلت في تحقيق هدفها الأول، ظلت مُخلفات الإمامة فارضةً حضورها النتن، دون أن تُفلح الأفكار التقدمية الوافدة في كبح جماحها، أو حتى تهذيبها، تأثر ثوار «اليمن الأسفل» بالأفكار اليسارية، على اعتبار أنهم مضطهدون مسلوبو الإرادة منذ زمن، فيما تأثر ثوار «اليمن الأعلى» بالأفكار البعثية التي جاءت مُتماهية والبيئة الاستعلائية التي عاشوا في كنفها، لم يرتقِ الطرفان حينها إلى تجسيد أهدافهم القومية الأممية المُعلنة، استمرت المناكفات بينهما، بدت كخلافات ظاهرها «الحزبية»، وباطنها «المناطقية»، ثم تطور الأمر إلى مشادات كلامية، تبعتها مواجهات مُسلحة، أخرجت الطرف الأكثر ثورية إلى الهامش.

«سيادة شعبية، وحدة وطنية، عدالة اجتماعية»، كان هذا شعار الأحرار الأوائل، ولم نصل إلى ما وصلنا إليه؛ إلا حينما حدنا عنه، وصار وطننا - وبرضانا - مسلوب الإرادة، مجهول المصير، يتحكم به مجموعة من «المُتسلطين، والانتهازين، واللصوص»، تقاسموه كغنيمة حرب، وجعلوه عرضة للتآمر الخارجي، ومحطة للارتزاق، وساحة صراع كبيرة لـ «أيدولوجيات» وافدة، زادت الطين بلة، وخلقت عصبيات جديدة، جزأت المجزأ، ومزقت الممزق، وزادتنا فرقةً وشتاتا.

ولأننا شعب مُتعصب حتى النخاع، وعاطفي حد الثمالة؛ صرنا نتلذذ بانتكاساتنا المتتالية، وننتظر أي مصيبة؛ لنبكيها بحرقة، ونتهم هذا، ونُخون هذا، ونقطع الأمل من جذوره، وكأن القيامة قامت، ولا طريق معبد أمامنا للاستقرار، وأجزم أنَّ غالبية نخبنا كانوا يتوقعون ما حدث، وكانوا يستعدون لمواجهته بسيل من الشتائم، والتخوينات، وندب الحظ، لا أحد من هؤلاء تحدث عن العبر والدروس المُستفادة من تلك الانتكاسات، أو عن الأسباب الحقيقية التي أدت لتكرارها، ولا بادر بوضع حلول ناجعة لتلافيها مُستقبلاً.

وفي خضم هذا الشتات الفظيع الذي نعيشه، وجب التذكير أنَّ الانتصار في المعارك المصيرية لا يتحقق إلا بقضية وطنية جامعة نؤمن بها، ونقدم لأجلها التضحيات، وقيادة قوية، غير مرتهنة، ذات ماض مُشرف، ولم تتلوث بالخيانة والفساد، وحليف صادق صدوق، لا يطعن من الخلف، وقبل هذا وذاك التحرر من العصبية المقيتة، التي إن لم نكبح جماحها اليوم، ستصيبنا غداً في مقتل.

العصبية عدونا الحقيقي، والمُتهم الرئيس لما وصلنا إليه، جعلت كثيرين منا متسلطين، ومتزمتين، وجامدين في تفكيرهم، متمركزين حول ذواتهم، غير مُتقبلين للحوار مع الآخر، الحوار الذي غالباً ما يأتي بالحلول، ولن نتحرر منها إلا بالتعايش السلمي، وبالتمسك بمبادئ الديمقراطية وقيمها، وبحقوق الإنسان التي تضمنتها المعاهدات والمواثيق الدولية، والاعتراف بالخطأ، وتقبل النقد، ومقاومة الإشاعات المظللة بهدوء وعقلانية.

يقول القائل: العصبية لا تنتهي، هذا صحيح، ولكنها تضعف، وضعفها مرهون بالخضوع والانقياد للدولة، وتغليب مصلحة الوطن العليا، على المصالح الذاتية الضيقة، والتخلص من التركة التاريخية المُثقلة بالصراعات والحروب، والمحبورة بالدم والدموع، وهذا جل ما نرجوه، ونسعى إليه، والدول العظيمة - مثلاً - تقودها عصبية عامة، أما الدول الصغيرة - كبلدنا - فتقودها عصبية «القبيلة، والحزب، والنسب»، والولايات المتحدة الأمريكية وفق هذه المعادلة بلد محظوظ جداً؛ لأنَّه حد توصيف محمد حسنين هيكل لديه «كثير من الجغرافيا، وقليل من التاريخ».


آخر الأخبار