آخر الأخبار
الخميس 17 سبتمبر 2026
المرأة كانت تجر بيدها اسطوانة غاز .. مضت عدة خطوات الى أمام مطعم (الفول) المجاور للسوق، وكان هناك مجموعة من زبائن المطعم يتناولون صبوحهم على رصيفي الشارع .. ثم توقفت وبدأت تمسح عيونها فتبين لنا حينها انها كانت تبكي .. ثم بدأت تخاطب اولئك الزبائن وغيرهم من المارة في الشارع .. قالت بصوت متهدج يمزق نياط القلب: "من فيكم يا اخوتي يشتري مني دبة الغاز هذه؟! .. اريد ان اشتري اكل لعيالي .. اقسم لكم بكتاب الله ان لنا ثلاث ايام لم نذق حتى لقمة واحدة" .. وقف الجميع يتأملونها بذهول .. فإستطردت: وقد زاد نحيبها ان المتواجدين في المكان وكذلك المارة في الشارع وانا منهم التفوا حولها: "زوجي عسكري، وكان موظف في شركة لكنه فصل من الشركة من قبل سنة ونصف، وكان باقي معنا راتب الوظيفة العسكرية الان انقطع من قبل ثلاثة شهور .. وقد بعنا كل اثاث البيت ولم يتبقى لنا سوى دبة الغاز هذه ارجوكم اشتروها مني".
الموقف اذهل وصدم الجميع .. اولئك الذين كانوا يصطبحوا تركوا طعامهم ووقفوا يتأملونها مصعوقين .. كانت تتكلم ودموعها تنهمر بغزارة .. واطفالها متشبثين بارجلها .. وعندما راوا الناس ملتفين حولهم انفجروا هم الآخرين يبكون بصمت .. لم يتمالك الحاضرين انفسهم وسرعان ما بادر بعضهم لاخراج ما في جيبه من مال محاولا مساعدتها .. لكنها رفضت واقسمت يمين ما تأخذ ريال من احد .. قائلة: "اللي يريد يساعدني يشتري مني دبة الغاز هذه .. لسنا شحاتين ولا نصابين كما قد يتصور البعض ولكنها الظروف اضطرتني لذلك حتى لا نموت جوع" .. انهمت كلامها ثم جلست منزوية على رصيف الشارع مطأطئة راسها مواصلة نحيبها بحرقة غير معهودة والاطفال متشبثين بها يبكون ويدارون وجوههم عن من حولهم .. حاول البعض وضع ذلك الفتات من المال في جيب احد الاطفال عنوة والبعض الاخر تركهم ومضى وعيونه مغرورقة بالدموع.
احد المتواجدين بالمكان قفز الى المطعم وطلب وجبة صبوح وعاد يقدمها للمرأة واطفالها .. لكن المرأة رفضت ومنعت اولادها من الأكل .. وقالت مخاطبة الرجل: "الف شكر لك يا اخي وربنا يجزيك الف خير .. قد قلت لكم اننا ما جئنا الى هنا نشحت .. ثم اننا لا يمكن ان نأكل وزوجي وابني الصغير في البيت على لحم بطونهم رجع الاكل" .. كان الاطفال يتأملون الطعام وعيونهم تكاد تلتهمه لكنهم امتنعوا عن الاقتراب كما امرتهم امهم .. اعتصرت الغصة ذلك الرجل فترك الطعام في نفس المكان وغادر.
كنت اتابع المشهد وانا مصعوق مبهوت متبلد وكأني في حلم .. وفي داخلي حزن وقهر ووجع وغبن بحجم هذة الارض .. وما ضاعف حزني انني كنت خالي الوفاض وليس في جيبي حتى عشرة ريال اقدمها لهم كمساعدة .. كنت اتأمل الحاضرين وجميعهم منهارين وفي وجه كل واحد منهم ذات الوجع والحزن والقهر .. اما البعض الآخر فلم يتمالك نفسه وسرعان ما سالت دموعة على خده لا اراديا.
في الحقيقة لم اقوى حينها على متابعة بقية المشهد، ولا ادري ان كانت المراة باعت اسطوانة الغاز تلك..!! أم انها عادت الى بيتها وزوجها تجر اذيال الخيبة والخزي .. فقد تولدت بداخلي رغبة للصراخ حتى اهز اركان الكرة الارضية بأكملها .. تمنيت ان تنشق الارض وتبتلعني .. مضيت في طريقي وانا شبه فاقد الوعي والتركيز، لا اداري الى اين تجرني قدماي .. لعنت الساسة والقادة والزعماء ومن يدعون انهم اسياد ومن ناصرهم وايدهم وتعاون معهم وسار في ركبهم .. وحتى اولئك الذي شهدوا معي هذه المأساة كانوا وجهوا لعناتهم على من كان السبب في هذه الأزمة، وادخال البلاد في هذا النفق المظلم.
قصة هذه ليست الا واحدة من ملايين الحكايات التي بلا شك ان بينها ما هو اكثر هولا وحزنا والماً .. فالشعب اليمني بمختلف فئاته وشرائحة يحتضر جوعا ومرضا وبؤسا وقهرا .. وهناك من غادر دنيانا هذه على اثر ذلك .. دون ان يدركه احد .. ولكم في ابناء تهامة خير شاهد ومثال.
فيا ايها الغجر القادمون من كهوف ما قبل التاريخ والإنسان والحياة .. ايها الغوغاء (المبردقون) .. أما آن لكم ان تفيقوا من سباتكم الطويل بعد؟! .. ألآ يكفيكم ما حل بهده الأمة من لعنات ومصائب وكوارث وقتل وخراب ودمار ومآسي بسببكم؟! .. ألآيكفيكم ما نهبتوه وسرقتموه وبطشتوه واستأثرتوا به من ممتلكات وحقوق واقوات البسطاء من ابناء هذا الشعب المكلوم؟! .. اصحوا ايها النازيون، ايقضوا ضمائركم ان كانت لكم ضمائر اصلا .. تأملوا ما يحيق بهذه الأمة من حولكم بسببكم .. كفانا حروب وازمات ومصائب وابادة وتنكيل .. إرحلوا عن حياتنا غادروا ابتعدوا، ودعونا نعيش بسلام .. عودوا الى كهوفكم .. واعلموا وتاكدوا وافهموا جيدا أن ما يضمره هذا الشعب البائس لكم كفيل بإجتثاثكم وتحويلكم الى عدم .. وليس ذلك ببعيد.<
لمتابعة أخبار "بوابتي" أول باول إشترك عبر قناة بوابتي تليجرام اضغط ( هنــــا )
وقفة مع ندوى الدوسري
الحوثيون والسلوك الاقتصادي في اليمن
اليمن في حالة حرب مع إيران
الرخيص حين يحلم باستعباد اليمنيين
الحوثي.. من اختطاف الدولة إلى ارتهان الجغرافيا