السجين رقم 851 ! حكاية صحفي يمني في سجون "الحوثيين"(أكتبُ من خلف القضبان)
2015/12/07
الساعة 11:46 صباحاً
ســـام الغـُــباري زنزانتي باردة وموحشة ،أكتبُ من خلف القضبان ، أنا مُختَطّفٌ بداخل السجن المركزي بمدينة ذمار ، واليوم هو الثامن والعشرون ، حيث سمحت لي إدارة السجن بالكتابة على الورق ،
ما زلت هنا بلا سبب !، والمظاهرات الحاشدة تهز شوارع مدينتي القريبة من العاصمة اليمنية "صنعاء" مطالبة بحريتي وإنهاء حكم ميليشيا الحوثيين الانقلابية ! ، قناة "المسيرة" التابعة لهم تُـصاب بالذعر ، وتبث تقريراً مفبركاً يتهمني بالتزوير والاحتيال ،
كان الأمر أشبه بإعدام معنوي ، لا استطيع الرد والدفاع عن نفسي ، لم يحاكمني أحد ! ، قانون ابن بدر الدين الحوثي المُستبِد هو الأعلى ، إنهم يعاقبون الصحفيين المناوئين لهم ، وكنت أول صحفي تعرض للاختطاف والسجن والتعذيب والتشهير بسبب آرائي الرافضة لإعلانهم الدستوري القاتل للجمهورية ،
الاصدقاء في مواقع التواصل الإجتماعي يكررون مناشداتهم لتلك الجماعة المتمردة لإطلاق سراحي ،
اصدقائي يشيرون لي على صفحتي في فيس بوك بعبارات تشجيع وتضامن ، صرت نجماً محلياً مُـغيباً عن الأنظار ، أخبرني رفيقي "شاجع": لقد اصبحت مشهوراً ياصاح ! ، التعاطف بلغ ذروته ، الحوثيون مصرون على تدمير مستقبلي المهني بأي وسيلة ، ومع نهاية كل اسبوع يسقط أملي في العبور إلى الحرية . . فماذا حدث ؟! ولا أدري لماذا أريد أن أنقل إليكم كل هذه التفاصيل : .. الحلقة الأولى : الإختطاف 9 فبراير 2015م - الساعة التاسعة صباحاً .. تركني أخي الأصغر في محل والدي الذي تُـباع فيه الأقمشة ، وذهب لشراء بعض الجبن لتناول طعام الفطور ، اقتحم المحل عشرة مسلحين يرتدون ثياباً خضراءً مزركشة ، بعضهم يلصقون شعارات طائفية تدعو للموت على خزائن أسلحتهم الكلاشينكوف ، شكلوا نصف دائرة وبنادقهم مصوبة إلى صدري !،كانوا مستنفرين بشدة ، أصابعهم على الزناد ، تحول المحل إلى ثكنة تمتلئ بالقتلة والأسلحة ، وعلى الفور ضربني أحدهم بمؤخرة البندقية في صدري عِدة مرات ، فسقطت ، وسحبوني إلى الخارج بين أذرعهم ، أحاول الصراخ فما استطعت ، صدري يؤلمني بشدة ، جسدي يرتعش ، وأتذكر أني قلت لهم خائفاً : ما الذي يحدث ، صاح الذي ضربني بالبندقية : جاوب ! - من ؟ . - جاوب "انصار الله" يا ابن الحرام ! ، وشدّني من ثيابي الثقيلة باتجاه سيارة هيونداي رمادية اللون نوع سنتافي يقودها شخص في العقد الرابع من العمر ، قذف بي الحوثيون ، - وتلك تسميتهم الشهيرة - إلى الكرسي الأمامي ، تحرك سائق السيارة التي تقلني بسرعة ترافقه سيارتين أخريتين على ظهرها مسلحين ملثمين ، قلت : هذا اختطاف !، اندهش المراهقون الذين اقتحموا محلنا ، وقد جلسوا في المقاعد الخلفية للسيارة "السنتافي" فيما توزع بعضهم على السيارتين اللتين تتبعاننا ، وقال أحدهم بتعجرف : اسحب كلامك ، هذه ليست أخلاقنا ! ، كنت خائفاً ومرعوباً ، حاولت أن أبدو متماسكاً : لِـمَ تقتادونني بهذه الطريقة ؟! ابتسم سائق السيارة بهدوء : أنا "ابو سلمان" ! ، ثم رفع هاتفه الأسود الصغير واتصل " أيوه .. الخبير معنا" ! . أغلق الهاتف ، وأنا اكرر سؤالي : هذا اختطاف ! ، تركني أردد عبارتي وشرد لبرهة وقال : نحن الدولة ، والدولة لا تختطف ! ، قلت : الشعب كله يرفضكم ، ويرفض إعلانكم الدستوري ! ، حاولت أن أتذرع بأي شيء للمطالبة بعودتي إلى المنزل لأنزع بيجامتي وأرتدي ثياباً رسمية ! ، ضحك كل من في السيارة ، وقال أحدهم ، "ولا عليك إلا نحمّمك في صعدة ، أنت و سام الأحمر" ! ، التفت إليه وبادلته ابتسامة شاحبة . - خلال دقائق معدودة ، ونحن في مبنى نادي "فتح" الرياضي ، الذي استخدمه الحوثيون لإدارة عملياتهم الأمنية منذ احتلالهم للمحافظة قبل أربعة أشهر ، ترجل الجميع ، صعدت بلا حذاء على سلالم المبنى المكون من طابق واحد ، أحدهم يحدثني غاضباً : اتعبتني وأنا انتظرك من أمس عند باب بيتكم ! . كان عليك أن تتصل بي وسأنزل إليك فوراً .. أجبته ساخراً . قبض على اصابعه كمن يتهيأ للملاكمة : كان البرد قارساً . أنا اسف .. ! ، دلفت غرفة المبنى الواسعة المخصصة للمقيل ، وقد كانت قبل احتلالها صالة الألعاب الرئيسة للنادي ، جلست على مُتّكئأٍ : ها أنا ذا ، ما الذي يجري ؟ ، قال شخص رائحته نتنة كبيت مهجور يتبول فيه المارة : ولا شي قلنا بس نضيّفك عندنا ! ، كنا وحيدَين في الغرفة ، ظهر شخص ثالث من الباب ينادي بأعلى صوته "أين ابن الحرام" وكررها ثلاثاً ! وصاح وهو يتقدم نحوي "يا غرباني خرّج هذا الصعلوك"، وكان يدفعني بقوة إلى غرفة مجاورة ، والتفتُّ إلى "الغرباني" قائلاً "هل هكذا تكون الضيافة" ؟ قهقه ضاحكاً ، ولم يعلق ، ضربني الحارس في صدري بقوة ، قال وهو ينظر إلى عينيّ مباشرة "أنت شيخ وإلا شيخة" ! ، أجبته بهدوء "مواطن فقط !" ، "طالما وأنت مواطن ، ليش تتكلم على السيد يا طرطور !" ، لم أجبه ، تمتمت فقط ! ايش ؟! ولاشي ؟ ايش تقول ، ارفع صوتك ؟ ، أين التلفون ؟ في البيت ! أيش . في البيت ! ارفع صوتك !، ويقرب إذنه من وجهي ، ويصرخ :ارفع صوتك ، وإلا ما ترفعه إلا على المسيرة القرآنية "! ، يغلق الرجل باب الغرفة التي تستخدم لإخفاء المعارضين ! ، تذكرت أني لم أتناول طعاماً منذ مساء الأمس ، شعرت بالجوع والخوف معاً ! . لا أعرف ما الذي يدور في الخارج ، مرت ساعات دون أن أجد كِـسرة خبز ، كنت أطرق الباب جوعاً ، ازعجهم وأنادي : لماذا تعتقلونني ؟ ، لم أسمع شيئاً ، كان المبنى خالياً من الحركة ، بعد ساعات فتح الباب شاب قصير القامة ، وقال في نزق: ماذا تريد ؟ أنا جائع ! . انتظر الغداء ! ممكن تقل لي لماذا هذا الحبس ؟ لما يجي سيدي بيكلمك ؟! سيدك من ؟ حيدر ! عرفت "حيدر" صبياً في العشرينات ، اسمه الحقيقي "عبدالاله الديلمي" من إحدى قرى آنس بمحافظة ذمار ، نحيل ، حاد النظرات وفي عينيه لؤم تاريخي ، أنفه معقوف كيهودي سابق ، ينافقه الكثير ، مثلاً ، مدير قسم الشرطة العام بمدينتنا واسمه "عبدالملك السعيدي" يخطب وده ويتملقه لقاء بقاءه في منصبه الذليل ، رغم أنه برتبه مُقَدّمْ في الأمن العام ! ، إلا انه صار جندياً