السبت 19 سبتمبر 2020
الرئيسية - تقارير وحوارات - أحفاد بلال.. كيف يمارس الحوثيون العنصرية والاستغلال بحق المهمشين؟
أحفاد بلال.. كيف يمارس الحوثيون العنصرية والاستغلال بحق المهمشين؟
أحفاد بلال  الحوثيون العنصرية والاستغلال المهمشين
الساعة 03:16 مساءً (متابعات)

حينما قدم مشرف حوثي لأخذ بياناته هو وعائلته، موهماً إياه أنه سيقدم لهم مساعدات مالية وعينية، خاطب المشرف الحوثي إسماعيل الضحياني، أحد المواطنين اليمنيين من ذوي البشرة السمراء، بالقول: أهلاً يا سالم بك أنت وأصحابك أحفاد بلال في المسيرة القرآنية، فرد عليه سالم أمام جموع من المواطنين في حارة الفتح بنقم: يا أخي من قال إننا من أحفاد بلال؟ بلال رضي الله عنه من الحبشة، وإحنا من اليمن.

حينها لفت سالم نظر أقرانه من المهمشين إلى دوافع تسمية زعيم الحوثيين للمهمشين بـ”أحفاد بلال”، خلال كلمة ألقاها بمناسبة الذكرى السنوية للصرخة الحوثية.



وفي الأيام الأولى لسيطرتهم على العاصمة صنعاء، وعلى القناة الفضائية اليمنية، استضاف المذيع الحوثي عبدالرحمن العابد، أحد المنتمين لفئة المهمشين، وهو يخاطبه متهكماً: كيف ينظر أحفاد بلال لمواقف قادة المسيرة القرآنية؟ حينها أحرج الشخص المستضاف، المذيع الحوثي، حينما تجاهل ذكر مسيرة الحوثيين، قائلاً: نحن نحب الوطن، ونحن جزء منه، وسندافع عنه.

جهاد البناء

بدأت المخططات الحوثية لاستقطاب المهمشين في المجتمع اليمني، في وقت مبكر، ففي العام 2009، كان الحوثيون يستقطبون فئة المهمشين لتجنيدهم في حروبهم ضد الدولة اليمنية، وبدأت استمالة الحوثيين للمهمشين القاطنين في حارات “المعلا والمنصورة والمطلوح”، تارة بالترغيب عن طريق الأموال، وتارة بالترهيب من خلال الاعتقالات التعسفية لمن يرفض الانضمام لهم، بخاصة فئة الشباب.

وفي العام 2010 أسس الحوثيون جمعية الوحدة التنموية الخيرية في صعدة، بهدف استقطاب العدد الأكبر من المهمشين، الذين فضلوا العمل في مهن النظافة على أن يكونوا جزءاً من مكونات المليشيات الحوثية.

بعدما سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء، وبالتحديد في يوليو 2015، أوقفت المليشيات الحوثية مرتبات عمال النظافة من فئة المهمشين، دون أسباب واضحة، الأمر الذي أدى إلى تكدس أكوام النفايات المتجمعة في عدد من المناطق السكينة والطرقات العامة في العاصمة صنعاء، وبدا الأمر محرجاً للحوثيين الذين وجدوا أنفسهم مضطرين لصرف المرتبات حتى لا تغرق صنعاء بالقمامة، وتنكشف مساوئهم في إدارة شؤون العاصمة صنعاء.

وعقب قتلهم الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، وجد الحوثيون أنفسهم في مأزق كبير من ناحية نقص أعداد المقاتلين في صفوفهم، إذ كانت من وصايا الرئيس الراحل لمناصريه ولأبناء الشعب اليمني، رفض الأوامر الحوثية، فلجأ حينها الحوثيون للمهمشين بهدف استقطابهم وتجنيدهم للقتال في صفه، لكن تلك المحاولات باءت بالفشل، الأمر الذي دعا زعيم الحوثيين، إلى توجيه دعوة للقائمين على المؤسسات الحكومية التي يسيطرون عليها، بإطلاق برنامج طويل الأمد للعناية بالمهمشين، ودمجهم في المجتمع، فكان أول برامجهم في محافظة صعدة تحت مسمى “جهاد البناء”، ويعني تجنيد المهمشين العاملين في النظافة كجواسيس في مكاتب المؤسسات الحكومية وفي الأسواق وأحياء وحارات مدينة صعدة، لكن الأمر ذاته لم يحقق نجاحاً في العاصمة صنعاء وباقي المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين.

في حديثه لـ”المدونة اليمنية”، يقول أحد المهمشين، رافضاً الكشف عن اسمه: «تم استدعاؤنا في أحد المقرات الحوثية بحي عصر غرب صنعاء، في نهاية 2019، وطلب قيادي حوثي مني أنا وزملائي الثلاثة أن نوافيهم بتقارير يومية عن الحديث الذي يتداوله الناس في سوق القات بحي عصر، وكان ردنا لهم أننا سوف ننفذ ما طلبه منا القيادي، لكننا لم نفعل، لأن الناس كلها تكره الحوثة».

قتل ونهب للحقوق

في يوليو الفائت، اقتحم مسلحون حوثيون منطقة الجرفين بمديرية قفلة عذر، بمحافظة عمران، حيث يقطنها المئات من المهمشين.

أراد المشرف الحوثي أبو علي الخولاني، إرغام شباب من المهمشين على الصعود لأحد الأطقم التابعة للحوثيين، لكنهم رفضوا، ما أدى إلى نشوب اشتباكات بالأيدي، حينها أقدم المسلحون المرافقون للقيادي الحوثي على إطلاق الرصاص، ما أسفر عن مقتل 3 مهمشين، وجرح آخرين. حينها تطور النزاع، وانتقم المهمشون بقتل المشرف الحوثي، وفرار مرافقيه.

كانت تلك الحادثة نتيجة سلسلة من الانتهاكات التي ترتكبها المليشيات الحوثية بحق المهمشين، ففي أكتوبر 2019، استبعد الحوثيون 16 مقعداً دراسياً كانت جامعة صنعاء تخصصها سنوياً لفئة المهمشين للدراسة فيها مجاناً، رغم أن عدداً من المهمشين خريجي الثانوية العامة كانوا قد اجتازوا اختبارات القبول بنجاح، لكن الحوثيين استبدلوهم بآخرين موالين لهم، الأمر الذي دفع الطلاب المحرومين من المهمشين، لتنظيم وقفة احتجاجية أمام وزارة التعليم العالي بصنعاء، تنديداً بما سموه “العبث اللامسؤول” من قبل إدارة جامعة صنعاء الخاضعة لمليشيا الحوثي، والتي حرمتهم من الالتحاق بالتعليم الجامعي.

وحينما نزح مئات المهمشين من محافظة الحديدة إلى العاصمة صنعاء، منتصف العام 2018، كان الحوثيون يعاملونهم بعنصرية وقسوة مفرطة، فلم يخصصوا لهم أماكن صالحة للمعيشة، بل حصروهم في مخيمات تفتقر لأدنى مقومات الرعاية الإنسانية في حي حزيز جنوب صنعاء.

يتذكر عمر عواد، أحد المهمشين، خلال حديثه لـ”المدونة اليمنية”، حينما أوفد الحوثيون مسلحين إلى أحد المنازل التي يملكها آل الجاوي، في حي باب السباح بصنعاء القديمة، طالبين من ساكني تلك المنازل القديمة تأجيرها لتكون مقراً للحوثيين في الحي، لكن الستيني محمد الجاوي، وآخرين، رفضوا ذلك الطلب، لأن لا مأوى لهم سواه منذ عشرات السنين.

ويتذكر محمد، بحرقة، كيف حاول المسلحون ترهيب القاطنين في تلك المنازل ذات الغرف الصغيرة، رغم أن غالبية ساكني المنطقة، يعرفون أن تلك المنازل أوقفت لله من فاعلي خير، بغرض سكن المهمشين فيها. والمشهد كان يتكرر في حي المحوى المتوسط شارعي هائل والزبيري، وأحياء أخرى في سعوان ونقم، والسواد بمنطقة حزيز، وفقاً لرصد “المدونة اليمنية”.

وكانت دراسة ممولة من “اليونيسف”، بعنوان “الحماية الاجتماعية في اليمن بين الصمود والتكيف”، كشفت عن قيام المليشيات الحوثية بتشريد 10%، أي نحو 300 ألف من سكان أحياء الصفيح، التي تسكنها الأسر المهمشة.

وأرجعت الدراسة أسباب فرار المهمشين من مساكنهم، إلى ممارسات مليشيا الحوثي تجاههم، وتوقيف رواتبهم، وإجبارهم على القتال معهم في الجبهات.

وقالت الدراسة إنه «وفقاً لتقييم الاحتياجات ومستوى الانكشاف، تعذر على النازحين من المهمشين استضافتهم من قبل الأسرة والأقارب، ويكابدون حالة من الفقر المدقع بسبب فقدانهم مأواهم ومساكنهم، وعجزوا عن تسديد أية نفقات أخرى مرتبطة بالسكن».

استغلال

يستغل الحوثيون فقر وضعف فئة المهمشين، من خلال هضم حقوقهم، ومحاولة إذلالهم، فقبيل عيد الأضحى الأخير، أعلن الحوثيون أنهم سيقدمون مساعدات مالية للمهمشين عبر الهيئة العامة للزكاة التابعة لهم، في إطار برنامج طويل الأمد لدمج المهمشين في المجتمع اليمني، وبعد أن قام المشرفون الحوثيون بحصر أعداد المهمشين على مستوى أحياء وحارات العاصمة صنعاء والمناطق الواقعة تحت سيطرتهم؛ اشترط الحوثيون من المهمشين انضمام فئة الشباب منهم للقتال في صفوف المليشيا، من خلال حضور دورة قتالية سيتم تنظيمها بعد إجازة العيد مقابل تسليم مشرفي المليشيا مبلغ 30 ألف ريال، لكن قلة قليلة من المحتاجين والأشد فقراً استجابوا لذلك الشرط، فيما رفض الغالبية منهم، الأمر الذي دفع المليشيا لتقديم شروط أخرى، منها إلزام المهمشين بحضور الوقفات الاحتجاجية التي تنظمها المليشيا، وكذلك حضور احتفالات الحوثيين المبكرة بيوم الولاية أو عيد الغدير كما تسميه المليشيات، وبالفعل حضرت جموع من المهمشين تلك الفعاليات، وكانت تلقي خطابات جاهزة كتبها مشرفو المليشيا في الأحياء والحارات، لكن الحوثيين لم يفوا بوعودهم للمهمشين، بما يخص المساعدات المالية، كما يقول رزق الحاني، أحد المهمشين.

ويضيف، في حديثه لـ”المدونة اليمنية”: «تفاجأنا بقيام الحوثيين بتوزيع قسائم بتوزيع ملابس بدلاً من توزيع الأموال، وقد حصرونا بطريقة الفصل العنصري المقيتة في معرض قدموا فيه ملابس بالية ومهترئة».

المعرض ذاته تم افتتاحه في محافظة إب (وسط اليمن)، وكان الإقبال عليه ضعيفاً من قبل المهمشين الذين رفضوا ذلك الأسلوب العنصري الذي تنتهجه المليشيات الحوثية، رغم حاجتهم.

يحاول الحوثيون إظهار عطفهم ومحبتهم للمهمشين، واحتواء الغضب المتصاعد ضدهم من قبل المهمشين، فحين وقعت مظاهرات احتجاجية لتجاهل الحوثيين إنقاذ الشاب محمد حسن، وهو أحد المهمشين الذي توفي غرقاً في صنعاء، قام حمود عباد، المعين من الحوثيين في منصب أمين العاصمة، بزيارة لأسرة حسن، واعداً إياهم صرف مستحقاته كونه أحد موظفي قطاع النظافة.

في مقابلة أجرتها معه صحيفة “الثورة” الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء، يصف سعد عبدالله الجمل، شيخ أحد أحياء المهمشين في صنعاء، حال المهمشين في الوقت الراهن،  بالقول: «المهمشون وضعهم المعيشي ليس صفراً فقط، بل تحت الصفر بكثير، فالواحد منهم يعمل لتوفير قوت يوم واحد فقط، بينما ينام وهو لا يجد ما يطعم به أسرته في اليوم التالي»، مشيراً إلى أنه «إذا لم يذهب غالبية المهمشين للتسول أو لجمع علب الماء الفارغة لبيعها، فسيموتون جوعاً».

يبلغ عدد المهمشين في اليمن، بحسب إحصاءات غير رسمية، 3 ملايين نسمة، موزعين على مختلف القرى والمدن اليمنية، وأصبح وجودهم مهدداً جراء انتهاكات المليشيات الحوثية المتزايدة.

 

 

 

 

 

 


آخر الأخبار