الثلاثاء 24 نوفمبر 2020
الرئيسية - بوابتي الدينية - كيف يؤثر الدعاء فيما قُدر للإنسان وكتب عليه؟ شرعيون يجيبون
كيف يؤثر الدعاء فيما قُدر للإنسان وكتب عليه؟ شرعيون يجيبون
الساعة 10:45 مساءً (صُحف)

يعتقد المسلمون أن الله تعالى قدر مقادير الخلائق بحلوها ومرها قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وينظرون في الوقت نفسه إلى ما يحل بهم وبالناس جميعا من مصائب باعتباره أمرا قدره الله عليهم في سابق علمه، فهو لا محالة واقع ولا راد له، مصداقا لقوله تعالى {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (الحديد: 22). 

ووفقا لباحثين في العلوم الشرعية فإن مسألة القدر الإلهي من المسائل التي يستعصي على النظر  البشري فهم حقيقتها، والوقوف على الحِكَم الإلهية الثاوية فيها حتى قال فيها الإمام أبو حنيفة في رده على من جاء يخاصمه في القدر "أما علمتم أن الناظر في القدر كالناظر في شعاع الشمس كلما ازداد نظرا ازداد حيرة".
 
ونظرا للخفاء الذي يكتنف بعض جوانب مسألة القدر، فإن استشكالات قلقة تُثار حول جدوى الدعاء في تحقيق المطالب والمنافع التي يرجوها الداعون، أو دفع المضار والبلاء والمصائب التي تحل بهم، ولسان حال السائلين يقول: ما دامت المقادير مكتوبة ومقدرة وهي واقعة على وجه حتمي لازم، فما الذي سيحدثه الدعاء؟ وكيف سيؤثر فيما قدره الله للإنسان وكتبه عليه في سابق علمه؟.

في إجابته عن الأسئلة المثارة أوضح الأكاديمي الشرعي السوري، المتخصص في العقيدة والمذاهب الفكرية، ثائر الحلاق أن "مسألة القضاء والقدر تُعد من أعوص المسائل وأكثرها وعورة وغموضا عند أساطين علم الكلام، فتعدد أقوالهم فيها واختلافاتهم يدل على اضطرابهم وحيرتهم، فإذا كان هذا حالهم فكيف سيكون حال العامي؟" معللا ذلك بقوله "ذلك أن القضاء سر إلهي، ومن الغيب الذي استأثر الله به، فلا يطلع عليه نبي مرسل، ولا ملك مقرب".

وأضاف: "وهذه المسألة متعلقة بصفات الله تعالى كعلمه وحكمته وخلقه ومشيئته، فكما نعجز عن الإحاطة بتلك الصفات فكذلك نعجز عن الإحاطة بسر القدر وحقيقته، من هنا فكل الحلول التي قدمت لهذه المشكلة في تاريخ الفكر لم تقدم يقينا ولا طمأنينة، والناظر بعقله فيها كالناظر في عين الشمس يزداد عمى، وكالشارب من ماء البحر يزداد ظمأً".
 
وتابع: "لأجل ذلك غضب النبي صلى الله عليه وسلم عندما خرج على أصحابه فوجدهم يتجادلون فيها، لكل ذلك لم يبق أمام العقل البشري إلا التسليم المطلق للخالق، فالرب رب والعبد عبد، وهناك فارق بين المخلوق والخالق".

 




 
وردا على سؤال "عربي21" حول مدى تأثير الدعاء في القضاء ورده، قال حلاق: "الدعاء من القضاء، والقضاء يرد القضاء، ومن الأحاديث الدالة على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام "وقني شر ما قضيت"، فلو لم يكن للدعاء فائدة لكان سؤال النبي عليه الصلاة والسلام لربه عبثا، وفي حديث آخر "لا يرد القضاء إلا الدعاء"، وكذلك حديث "الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة".
 
وأردف: "فالمقدر على المخلوق نوعان: أولهما: نوع مبرم لا يقبل تبديلا، وثانيهما قدر معلق على فعل شيء كأن يبتلي الخالق عبده بمرض ويربط شفاءه بدعاء المريض؛ فهنا يصبح الدعاء سببا لرفع البلاء المقدر وتحقيق الشفاء، ولما كان العبد يجهل حقيقة ما قُدّر عليه وإلى أي نوع ينتمي فيجدر به أن يلجأ للدعاء دائما فربما رُبط القضاء به، وإذا لم يتحقق الشفاء، ـ بحسب الظاهر ـ فلا ينبغي الظن بأن الدعاء ذهب هباء، فالدعاء إظهار لافتقار العبد لمولاه وتحققه بالعبودية له".
 
من جهته قال الباحث المغربي في العقائد والأديان، حمزة النهيري "من المعلوم المقرر عند أهل السنة أن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: ما أكتب، فقال له اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، وهو ما يشير إلى علم الله الكامل المحيط بالكليات والجزئيات أبدا وسرمدا". 

وواصل حديثه لـ"عربي21" بالقول: "في الأحاديث النبوية ما يدل على أن الدعاء قادر على رد القضاء المكتوب، وهو يؤيد قول من قال من العلماء بوجود كتابين الأول خاص باللوح المحفوظ الأزلي، والكتاب الثاني (صحائف الملائكة) الذي فيه المحو للأقدار القابل للتغيير بإذن الله".

 


 
ونبه النهيري إلى "أن الله تعالى له حق التصرف في إثبات ما يشاء ومحو ما يشاء من الأقدار (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) وهو محو في غير ما سبق به علمه، وكتب به القلم، لأن علم الله لا يقع فيه خلل أو نقص، وقوله تعالى (وعنده أم الكتاب)، فهو اللوح المحفوظ الذي كتب فيه القلم ما هو واقع". 
وشدد على أن "التبديل والتغيير يقع منه سبحانه في كتابه الذي يمحو فيه ما يشاء ويثبت، وقولنا كتاب هو من قبيل التجوز في التعبير كما يدل عليه لفظ المحو والإثبات، وقد جعل الله لتغيير الأقدار أسبابا كثيرة منها الدعاء، وصلة الرحم، وفعل البر وغير ذلك من الأعمال الصالحة التي يستنزل بها فضل الله تعالى".
 
وفي الإطار ذاته بيّن الأكاديمي الأردني، المتخصص في الحديث النبوي وعلومه، الدكتور عمار الحريري أن "الدعاء يغير الأقدار المعلقة بأسبابها، وأن ذلك لا يتعارض مع سنة الله في كتابة ذلك القدر، لأن من صفة الله العلم الذي يحيط بكل شيء، والعلم بالغيب فهو يعلم أنني سأكون واصلا للرحم فعلق ذلك القدر بوقوع ذلك السبب، وكتب لي أنني سأنجو بسبب دعائي أو حسن عملي".

وأورد في حواره مع "عربي21" ما ذكره أحد العلماء لتوضيح مسألة القدر من أن "المقادير هي بمثاية القوانين والنواميس التي قدرها الله تعالى في منظومة الخلائق، وفيها تترتب النتائج على الأسباب وفق ترابط محكم قدره الله تعالى، وكل مقدور له أسبابه وظروفه ومؤثرات تكوينه وجودا وعدما أو تخلفا".

 


 
وأردف: "فمن أعمال العبد المكتسبة ما يؤثر في المقدور، وفقا لنظام الاختيار الذي مكن الله خليفته من فعله بالكسب، ومن ذلك حديث " تَعَلَّموا من أنسابِكم ما تَصِلُونَ به أرحامَكم ؛ فإن صلةَ الرحِمِ مَحَبَّةٌ في الأهلِ، مَثْرَاةٌ في المالِ، مَنْسَأَةٌ في الأَثَرِ" وفي هذا إشارة إلى أن صلة الرحم سبب من أسباب إطالة العمر حقيقة أو حكما، والأعمار مقدرة بأسبابها فجاءت صلة الرحم عاملا مكتسبا من العبد تمكنه من إطالة عمره".
 
بدوره أوضح الباحث الجزائري في العلوم الشرعية، محمد دخان أن "تأثير الدعاء وغيره من العمل الصالح يكون في (حلقة التقدير) لكونه عنصرا جعله الله في صلب هذه العملية وليس شيئا خارجا عن التقدير، فالدعاء – لتقريب المعنى – مثل المضادات الحيوية التي يستعملها المرء لمعالجة الالتهاب أو للوقاية من الإصابة بالأمراض، أو كاتخاذ حزام الأمان في السيارة، فهو عنصر داخلي في السيارة للحماية وتخفيف الضرر أو دفعه، وليس شيئا أجنبيا عنها".

 



وتابع: "من المعروف أن الدعاء أمر تعبدي يؤجر عليه المؤمن، وهو في الوقت نفسه سببي، يتوسل به الداعي إلى ربه لكشف ما نزل به من ضر، أو لطلب خيري الدنيا والآخرة، والقدر قسمان: محتوم لا مفر منه، ومخروم يمكن للمرء أن يرده بالدعاء، وفي الحديث (لا يرد القضاء إلا الدعاء). 

وختم حديثه بالتنبيه على أن "الإنسان ما دام أنه لا يعرف المقدور له إن كان أمرا محتوما لازما أو أمرا قابلا للانخرام والتبديل، لأن هذا كله من عالم الغيب، وليس بمقدور الإنسان علمه والتحقق منه، لذا فإن المطلوب من المؤمن في كلتا الحالتين أن يجتهد في الدعاء لرد القضاء أو تخفيفه أو تأجيله".


آخر الأخبار