الاربعاء 17 يوليو 2019
الرئيسية - تقارير وحوارات - الأنظمة المتعاقبة في صنعاء وعدن نجحت في تغييب الشعب بالفتن المخططة والمبرمجة
الأنظمة المتعاقبة في صنعاء وعدن نجحت في تغييب الشعب بالفتن المخططة والمبرمجة
الساعة 08:06 صباحاً (متابعات)

برؤية المثقف العميق والسياسي الماهر يتحدث لنا الدكتور عبد الملك منصور في هذا الحوار المختصر عن تقييمه لخمسين سنة مضت على الثورة، ملفتا إلى أن ما تم اليوم في بعض الحالات هو عمليات عكسية لأهداف ثورة 26 سبتمبر 62م كالجيش العائلي الذي تم بناؤه عكس ما ينص عليه أحد أهداف الثورة! وكذا الديمقراطية التي لا وجود لها إلا في أحاديث الإعلام الرسمي، وقد ترافق هذا مع عملية ارتهان من قبل النخبة الثقافية للخارج أثرت سلبا على البلاد، في حين كانت ثمة قطيعة بين السياسي والثقافي إلا في أضيق نطاق، داعيا إلى الاستفادة من دروس الماضي ومنها عدم تمجيد أو مدح الحاكم بالصورة التي سادت خلال الفترة السابقة، وكذا إلى تشديد الرقابة الشعبية على الأداء السياسي خلال المرحلة القادمة كضمانة قوية لأداء سياسي ناجح.. 

- خمسون عاما مضت على ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م في شمال اليمن.. قراءة أولى وعامة في الحدث؟ 




نعم مرتْ خمسون عاماً منذ ثورة سبتمبر العظيمة ضد الظلم والاستبداد، والتي عاضدتها بعد قليل ثورة أكتوبر ضد الاستعمار . واليوم نقف متأملين مستعيدين المبررات التي أدتْ إلى تفجر الثورة ضد الاستبداد والاستعمار، وهل كان يمكن لليمنيين الصبر على ظلم المستبد وعربدة المستعمر؟! بمعنى آخر هل يجوز لأحدٍ أن يرى اليوم في الثورة يومها ترفاً سياسياً كان يمكن تجاوزه؟  


في البدء ينبغي أن نقرر أن نظرة المعاصر للحدث تختلف كلياً عن نظرة مَنْ يتأمله اليوم وهو في ظرف غير ذلك الظرف؛ فيومها كانت علاقة المستبد والمستعمر بالشعب قد بلغت حدَّ الاختناق والانسداد، ولم يعد في الأمر متسعٌ لحوار أو صبر واحتمال.  


علينا اليوم أن نستعيد تلك الظروف للعبرة من جهة ولنبحث هل زالت أسباب الثورة أم لا تزال قائمة، وعلينا أن نستعيد أهداف الثورة للإجابة على سؤال: ماذا تحقق حقاً منها؟ هل نستطيع الإجابة بشفافية وصدق على السؤالين؟ 


- ما ذا تحقق؟ سؤال يستدعي الوقوف عند أهداف الثورة الستة التي تعتبر المقياس الدقيق والحقيقي لتقييم ما تحقق خلال نصف قرن مضى، قياسا إلى أهداف الثورات الأخرى في المنطقة وما حققت، مع الإشارة إلى العوامل الذاتية والموضوعية التي وقفت لا أقول حجر عثرة؛ بل “جبل عثرة” إن صح التعبير أمام تحقيق تلك الأهداف؟ 
هذا صحيح تماماً، بل إن بعض ما تَمّ كان بناء عكس الأهداف مثل الديمقراطية وبناء الجيش الوطني. فالجيش كان عائلياً أو قبلياً أو حزبياً أوكل ذلك إلا أنه لم يكن بناءً على أسس ٍ وطنيةٍ أبداً، أما الديمقراطية فلا وجود إلا لاسمها يتردد صداه في صنعاء وعدن وتسير الحياة بعيداً عنها. 


- ما السبب من وجهة نظرك؟ أين هو الشعب اليمني الذي يراقب مسار ثورته ويصنع منجزاته؟! ومن جهة ثانية اليوم توجد الأحزاب السياسية.. توجد منظمات المجتمع المدني.. يوجد التنافس الحزبي.. ألا نعتبر ذلك من ملامح الديمقراطية في البلاد؟ 


لقد نجحت الأنظمة المتعاقبة في صنعاء وعدن في تغييب الشعب وإلهائه بمزيد من الفتن المخططة والمبرمجة من جهة، ومن جهة أخرى نجحت في تجويعه بحيث ينشغل فقط بالبحث عن لقمة العيش أو الهجرة بحثاً عنها خارج حدود بلده. 


ومعلوم أن القرار السياسي كان مختطفاً من خارج الوطن ولم يكن في أغلب الأحوال وطنياً مع الأسف الشديد. 
- طيب.. أين دور النخبة الثقافية؟ لا نستطيع أن نقف بالمسألة عند هذا الحد فقط. أنظمة بدائية طوت تحت إبطها شعبا أو شعبين بكاملهما.. في المسألة وجهة نظر.. أين ذهبت النخب التقدمية واليسارية التي كانت تحمل مشروع الدولة المدنية آنذاك؟ 


بصراحة كانت النخبة ولا تزال هي أول مَنْ بادر إلى الارتهان عند الخارج بمحض إرادتها، وكانت القوى الأخرى تاريخياً لاحقةً في الارتهان للخارج بالنخبة ومقتديةً بها بما في ذلك الطبقة السياسية التي مارستْ العمالة للخارج تحت غطاء فكري .

ومع الأسف كانت النخبة السياسية اليمنية خصوصاً والعربية عموماً بعيدةً عن الثقافة؛ فمثلاً على كثرة عدد حكام اليمن في العصر الحديث أومن بعد الثورة، لم يكن فيهم إلا اثنان فقط كانا مثقفين، وهما القاضي عبد الرحمن الإرياني، والأستاذ عبد الفتاح إسماعيل. وقد كان بينهما بونٌ شاسعٌ مثلاً الأستاذ عبد الفتاح إسماعيل لم يكن يخفي إعجابه بتجربة الاتحاد السوفيتي، بينما المثقف الآخر القاضي عبد الرحمن الإرياني كان يرى “أن الحزبية تبدأ بالتأثر الفكري وتنتهي بالعمالة” وهو موقف يحتاج إلى كثير من الدراسة للتفريق بين مواقف السياسي المثقف من انبهار وذوبان في الآخر الأجنبي أو الندية في التعامل مع تجربته السياسية وإبداعه الفكري مع الاحتفاظ بالذات الوطنية. 


- صحيح ما ذكرت فإلى أي حد أثر هذا العامل سلبا على الشعب اليمني؟ ولماذا ينحو الخارج ـ على الدوام ـ الاتجاه المعاكس لمنحى الشعب، وأقول الشعب لا النخبة السياسية؟ 


الخارج له مصالحه التي تتناقض تماماً مع مصلحة الشعب وتلتقي فقط مع المصالح الضيقة للنخبة السياسية! وهذا ما حصل. 


- هل بالضرورة أن تتناقض المصالح؟ أم أن ذلك في الواقع وهم أو توهم؟ وإذا كان قد صح جزء منه في الحقبة السابقة فهل سيسحب الماضي نفسه اليوم باتجاه المستقبل خاصة في ظل المتغيرات العالمية الكبيرة وتظل المصالح متقاطعة على الدوام؟ 


المصالح هي المعيار الحاكم للعلاقات الدولية قطعاً وقولاً واحداً، والتناقض حاصل بين المصلحة الوطنية والمصالح الأجنبية، وإذا حصل لقاء فهو لحظي وآني لا يطول، وعلينا - في علاقاتنا الدولية - استيعاب هذا. لا عواطف في العلاقات الدولية ولا رحمة بل نأخذ بقدر ما نعطي.. 


- مطالب الأمس مطالب اليوم.. منذ ما يزيد عن نصف قرن ومطالب اليمنيين في الميثاق المقدس هي نفسها اليوم على الرغم من التطور الهائل والبعد الزمني.. ما هذه المفارقة؟ 


هذا صحيح وكأننا لم نقطع زمناً ولم نخطُ خطوةً، ولعل السبب أن مستبد اليوم هو نسخة من مستبد الأمس، ولكن مزيدة ومنقحة!! أما ثائر اليوم فقد اتسع أفقه وزادتْ وسائله، لذلك علينا أن نتفاءل بالمستقبل، لأنه الأمل الباقي؛ فالماضي مظلم، والحاضر كالح، ولا حول ولا قوة إلا بالله . 


-حبذا لو تطرقنا إلى الدروس المستفادة من المرحلة الماضية؟ 


ثمة دروس عدة يمكن أن نستفيدها من دروس المرحلة السابقة تتمثل في: إن علينا أن نترك ونهجر عادةً عربيةً قديمةً وهي مدحُ الحاكم رغبةً في ما عنده أو رهبةً ممّا عنده، لقد بالغ العربُ في مدح حكامهم إلى درجة الإسفاف ، ثم تطوَّر الأمر وازداد بمرور الزمن سوءًا حتى اقترب من التأليه. وهذا حديثٌ ينطبق على كل العرب وليس مقصوراً أو محصوراً على شعبٍ واحدٍ منها.  


ومن الدروس في عالم السياسة أن تُشَدِدَ الشعوبُ العربية الرقابةَ على الحُكام في كل تصرفاتهم وبالذات منها : عدم السماح لهم بأمرين:1- توليةُ أبنائهم وأقاربهم في المناصب الحكومية وعلى التحديد منها العسكرية والأمنية والاستخباراتية . 2- التلاعب بالدستور بحيث يتمكنون من تعديله كلما رأوا في ذلك مصلحةً لهم. 


ومن الدروس أن يلتزم الجميع بمُدد الوظائف ابتداءً من رئيس الجمهورية فلا يجوز التمديد مطلقاً مهما كانت المبررات حرصاً على تكافؤ الفرص والتدوير الوظيفي. 


 ومن الدروس: ضرورة تشديد رقابة الشعب على موارد الدولة وصرفياتها، فلا يجوز أن يتحكم بها فردٌ بل يكون ذلك من خلال المؤسسات . وليس لرئيس الجمهورية أن يصرف شيئاً من المال لأحدٍ إلا في حدود القانون.  


ومن الدروس أن الوظيفة العامة والتجنيد والمرتبات كلها مكفولة لمستحقيها بالقانون وليس لرئيس الجمهورية أو غيره التصرف فيها إلا في حدود القانون. 


ومن الدروس أن الإعلام كان من أبرز عوامل صنع الفرعون العربي المعاصر في كل البلدان العربية ، فهو الزعيم الضرورة، هبة الأقدار، وهو المثقف الأول ( رغم أنه لا يوجد حاكم عربي مثقف) ، وهو القائد المُلْهَم ، إلى آخر هذا القاموس الذي كان ينمو كل يوم ويضيف إليه أهلُه مفرداتٍ جديدةً . إذن لا بد من ثورة في الإعلام . ومن أبرز ذلك : إلغاء وزارة الإعلام ، إلغاء ترخيص الصحف ولكل مواطن حق إصدار صحيفة بدون أن يستأذن أحداً ، إطلاق حرية الصحافة بلا رقابة قبْلية ومَنْ تضرر يلجأ إلى القضاء حتى ولو كان رئيس الجمهورية ، تحريم وتجريم منع حرية الرأي ، وإطلاق حرية الرأي وحرية التعبير للجميع . ومنع ادعاء احتكار الحقيقة ، وفتح باب الحوار والاجتهاد في نفس الوقت في إطار من احترام الآخر ، ومنع التكفير والتخوين .

 
ومن الدروس أنه إذا كان الدين وهو ما هو في حياتنا لا يجوز الإكراه فيه “لا إكراه في الدين” فما سواه كذلك لا يجوز بالإكراه كالوحدة. 


 ومن الدروس ضرورة إزالة أخلاق تنشأ مع طول الاستبداد أو أنه وجدها فاستبقاها ورعاها، مثل الطائفية، التعصب المناطقي، التعصب المذهبي ، فهذه وغيرها أخلاقٌ الاستبداد ينبغي أن تُقْتَلَع ويحل محلها عكسُها مثل المساواة بين جميع المواطنين، المساواة أمام القانون، العدل، المفاضلة بين المواطنين بما قدموا لأوطانهم لا بغيره من المعايير، تقديس الحرية وحمايتها وكفالتها لكل أحدٍ بصرف النظر عن دينه ومذهبه وجنسه ولونه, المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات.


آخر الأخبار