الأحد 18 أغسطس 2019
الرئيسية - صحافة - لماذا "نعشق" متابعة الجرائم الغامضة؟
لماذا "نعشق" متابعة الجرائم الغامضة؟
IMG_20181214_093400_996
الساعة 09:50 صباحاً



دت السنوات الأخيرة إقبالا كبيرا من مشاهدي التلفاز ومستخدمي الإنترنت على حلقات تصور جرائم مروعة وقعت بالفعل، وأخرى لم يُكشف عن مرتكبيها. فما هي حكاية الولع بتلك الجرائم؟ في 29 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1970، اكتشفت أسرة جثة محترقة لامرأة في منطقة موحشة في "وادي إيزدالن" على مقربة من مدينة برغِن بالنرويج، وقد انتزعت أجزاء من ملابسها، وتناثرت حولها بعض الزجاجات، وساعة يد، ومظلة مكسورة. ووضعت المجوهرات بجوار الجثة "وكأن مراسم غريبة قد رافقت موتها"، وفقا لما قاله كارل هالفور آس، المحامي الذي تفقد الموقع. ولاحقا، عثرت الشرطة على أغراض تستخدم للتخفي، ورسائل مشفرة، وجوازات سفر مزورة دون أن تكشف هوية المرأة التي أطلقت عليها الصحف اسم "امرأة إيزدال" - فهل كان موتها انتحارا أم بسبب حادث، أم أنها قُتلت؟ وفي عام 2018 استقصت الصحفية النرويجية ماريت هيغراف بمساعدة الصحفي نيل ماكارثي الغموض الذي يلف قضية "امرأة إيزدال" لصالح بي بي سي في حلقات على الإنترنت بعنوان "الموت بوادي الثلوج". ورغم توافر وسائل فحص حديثة استخدمت في محاولة التعرف على هوية المرأة وجهود مجموعة من المحققين على الإنترنت، ظل هذا السر من بين أكثر الأحداث التي يلفها الغموض في تاريخ تلك البلاد. ويعد "الموت بوادي الثلوج" واحدا من وثائقيات عديدة رسخت في السنين الأخيرة قصص الجريمة الحقيقية في الثقافة الشعبية. ومنها حلقات "إس-تاون" في عام 2017، التي حققت رواجا كبيرا، واستعرضت شخصية جون بي ماكليمور مصلح الساعات الغريب من ولاية ألاباما. وهي من إنتاج نفس الشركة المنتجة لحلقات "سيريال" الشهيرة. وقد واجهت الشركة انتقادات لعرضها تفاصيل دقيقة عن شخصيتها الرئيسية دون موافقة الأسرة، وتم رفع قضية ضد منتجي هذه الحلقات. ورغم أن "إس-تاون" خالفت الصورة التقليدية لقصص الجريمة الحقيقية، فقد تطرقت إلى جريمة قتل مزعومة وعكست إقبالا ضخما من المشاهدين على الغموض، حتى أنه تم تحميلها من على الإنترنت قرابة 80 مليون مرة منذ بدء عرضها في مارس/آذار 2017. وهناك حلقات "في الظلام" من تحقيق الصحفية مادلين باران، وقد وصفت بأنها "صادمة دون إثارة" وفي موسمها الأول حققت في اختطاف وقتل طفل في الحادية عشرة من عمره في عام 1989 ويدعى جايكوب وتيرلينغ، على يد ملثم أثناء تجوال الطفل بالدراجة برفقة أصدقائه بمدينة سانت جوزيف بولاية مينيسوتا الأمريكية. وعرض الموسم الثاني من الحلقات قضية كيرتس فلاورز، الرجل الأسود من ولاية مسيسيبي، وقد حوكم ست مرات في جريمة قتل أربعة موظفين بمتجر للأثاث عام 1996، حيث كان يعمل في السابق. وقد جعلت البرامج التلفزيونية، مثل "الشعب ضد أو جيه سيمبسون: قصة جريمة أمريكية"، من تمثيل كوبا غودينغ جونيور، هذا النوع من الأعمال في صدارة شاشات العرض. وكانت الحلقات الأشهر هي حلقات "صناعة قاتل" لشبكة نتفليكس، حيث بحثت المخرجتان لورا ريتشاردي ومويرا ديموس في قضية رجل من وسيكنسون يدعى ستيفن إيفري، بعد مطالعة مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز عام 2005 بعنوان "برّأه الحمض النووي فاتُهم بجريمة أخرى". وقد تتبعت الحلقات محاكمة إيفري الذي أمضى 18 عاما بالسجن عن جريمة لم يرتكبها حتى أثبت دليل الحمض النووي أنه بريء، وبعد ذلك وجهت إليه اتهامات بقتل مصورة في الخامسة والعشرين من عمرها تدعى تريزا هالبك. وبعد ذلك حكم على إيفري بالسجن المؤبد هو وقريبه برندان داسي، لكن يعتقد الكثير من المشاهدين أن السلطات لفقت الجريمة الثانية لإيفري. وخلال الموسم الأول للبرنامج، شكك القائمون على الحلقات في العملية القانونية التي قادت لإدانة داسي، وخرجوا برواية بديلة ترجح وجود تلاعب من جانب الادعاء والشرطة. وبناء على رغبة الجمهور، ركز الجزء الثاني من "صناعة قاتل" على ما بعد الإدانة والاستئناف وعلى مشاعر أسر المتهمين والضحية التي لم يركز الجزء الأول عليها بما يكفي. إخفاق العدالة ولم يكن أحد يتوقع هذا الإقبال الهائل من المشاهدين على ما يدور حول مدى جدية تحليل بقع الدم بمسرح الجريمة أو كيفية تحقق مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي "إف بي آي" من وجود أدلة ملفقة، ولكن الناقد التلفزيوني جاك سيل أكد أن نجاح حلقات مثل "صناعة قاتل" جاء مفاجئا. ونقلت بي بي سي عن سيل قوله: "لم يكن التركيز الشديد على أدق تفاصيل الجريمة مملا، بل أتى مدهشا مع إبراز كافة تطورات القضية، حتى إن بدت صغيرة؛ وبإضافة بعض حيل الإخراج، كأن تنتهي كل حلقة بكشف أكبر لتشويق المشاهد، لتكتمل وجبة دسمة جديدة يدمن عليها المتفرج". كذلك لعب تطور تكنولوجيا الاستهلاك التلفزيوني دورا في النجاح المبهر لوثائقيات الجريمة الحقيقية مثل "صناعة قاتل"، ويشرح سيل ذلك بقوله: "الحلقات تعرض على شبكة نتفليكس وطريقة العرض ليست تقليدية كحلقة أسبوعيا، وهو أمر بالغ الأهمية". ويضيف: "لو كان صاحب فكرة ما قد توجه مثلا لقناة بي بي سي وان أو قناة إن بي سي، أو حتى إتش بي أو، عام 2015 وقال لهم إن لديه وثائقيا رائعا سيعشقه المشاهد، ولكنه يمتد لعشر ساعات، لكانوا قد ضحكوا ملء أفواههم، ولكن الآن مع العرض على الإنترنت، يمكن أن يستمر البرنامج إلى الأبد ولا يضير المشاهد طوله، إذ يستطيع أن يشاهد الحلقة المقبلة في أي وقت يناسبه". وقد سبق نجاح برنامج "صناعة قاتل"، نجاح حلقات "سيريال" التي انبثقت عن برنامج إذاعي هو "ذيس أمريكان لايف". وقد حققت حلقات "سيريال" نجاحا منقطع النظير عام 2014 وأمضت رَاوية الحلقات سارا كينيغ عاما كاملا تحقق في جريمة قتل وقعت عام 1999 كانت ضحيتها طالبة تبلغ 18 عاما من بالتيمور تدعى هاي مين لي، والتي أدين فيها رفيقها السابق عدنان سيد. وأدت الحلقات إلى صدور أمر من أحد القضاة بإعادة محاكمة رفيقها عدنان سيد، ومن الصعب تخيل أن شيئا كهذا كان سيحدث لو لم تسلط كينيغ والمنتجة جولي سنايدر الضوء على تلك القضية وتفاصيلها الدقيقة. وتقول جيما فلين المحاضرة بعلم الجريمة بجامعة إدنبره إن حلقات سيريال أدت لرواج إعلام الجريمة الواقعية "متجاوزة التركيز على الضحايا إلى حالات أخفقت فيها العدالة"، وهو ما تصفه بالتطور الإيجابي، بالإشارة إلى أن "العملية القانونية الجنائية تشوبها عيوب، وهو ما يعنينا بالمقام الأول كباحثين في علم الجريمة". وتقول إن التركيز انصب أكثر من اللازم على حل الجرائم عبر الوسائل العلمية الفائقة دون الالتفات إلى مشكلات تعتري المنظومة القضائية الجنائية نفسها، وتضيف: "لوقت طويل، كان التركيز على برامج مثل سي إس آي، وهو ما جعل الناس ينظرون فقط إلى أدلة الحمض النووي، وأجهزة كشف الكذب، وأشياء من هذا القبيل ربما لا تكون في محلها". جمهور من النساء وتقول فلين أيضا إن أكثرية من المتابعين لبرامج الجرائم الواقعية من النساء، "رغم أن النساء لسن بالضرورة أكثر عرضة للوقوع ضحايا للجريمة، ولكن القلق يساورهن أكثر". ومن الحلقات الأمريكية التي شهدت إقبالا واسعا من حيث عدد مرات التحميل من على الإنترنت عام 2018، حلقات بعنوان "جريمتي المفضلة"، ويبعث متابعوها بتفاصيل عن جرائم وقعت في جوارهم، وفي كل حلقة تستعرض مقدمة البرنامج جورجيا هاردستارك، وزميلتها كارين كيلغارف حبكة جريمة قتل، وكأن أصدقاء يتبادلون حديثا عن فيلم سيء شاهدوه للتو. وتضيف فلين: "هناك أعداد كبيرة من النساء يتابعن حلقات الجرائم البشعة، ولا نعرف ما الذي يجعل شيئا كهذا يروق لهن". وهناك ممثلة كوميدية من مانشستر تدعى ريتشِل فيربرن تستضيف حلقات كوميدية تبحث خلالها بصحبة زميلة أخرى هي كيري بريتشارد ماكلين، في جرائم اقترفها سفاحون، وقد بدأت الاثنتان رفع حلقاتهما على الإنترنت عام 2014، بعد أن أمضتا ساعات في بحث كل جريمة. وهذا العام، صورت فيربرن و ماكلين حلقات مفتوحة للبرنامج، انتقلتا خلالها من مكان لآخر للقاء المعجبين، وتقول فيربرن إن أغلب الحضور كان من النساء: "فالمرأة تقلق دائما لسلامتها، وهو أمر مرتبط بالأنثى، كأن تلاحظي كل ما تفعلينه، وألا تسيري في طريق العودة للبيت في ساعة متأخرة، واعتقد أن هناك شيئا في داخلنا كنساء يجعلنا نهتم بالجريمة؛ إذ نشعر أن شيئا من هذا القبيل قد يحدث لنا". وليس سهلا الخوض في الجريمة بطريقة كوميدية، لكن فيربرن تؤكد أن المزاح خلال الحلقات لا يأتي على حساب الضحايا بل المعتدين، كالسخرية من توالي الأخطاء التي توقع بالقاتل في النهاية. ولا يدهش فيربرن أن الاهتمام بالجرائم الواقعية عاد ليطل مجددا، وتقول إن السبب في ذلك ربما هو أن الاطلاع أصبح أيسر، وتقول: "بالعودة إلى العصر الفيكتوري، كانت هناك مطبوعات مثل أخبار الشرطة المفصلة التي حملت أخبارا مثيرة، وكان الناس يشاهدون عمليات إعدام تجري على الملأ". واليوم لدينا عقود من التسجيلات الأرشيفية والتقارير التي تختزلها حلقات في ساعات، وما زلنا نتعطش للعدالة، وتقول فلين إن قصص الجريمة الأفضل تركز على ملابسات الجريمة أكثر من مقترفيها.

وتخلص قائلة: "إننا نتحدث عن عمل فني لا يتسم بحيادية أكاديمية، وهو من هذا المنطلق ليس بحثا، بل تصاغ القصة وتروى للمشاهد بهدف متابعة المشاهدة".

المصدر: (بي بي سي)

آخر الأخبار