آخر الأخبار
الجمعة 11 سبتمبر 2026
الرئيسية - أخبار الخليج - اليمن في مواجهة موت متعدد الاشكال..
اليمن في مواجهة موت متعدد الاشكال..
امرأة تبكي وفاة طفلتها - إرشيفية
الساعة 04:04 مساءً

خاص - بوابتي

 



لم يعد زاهر ابن الثانية عشر ربيعا يتذكر ملامح مدرسته حد قوله حين سألناه هل تدرس، التي أطاحت بها الحرب الدائرة في اليمن، ووصلت منطقتهم في محافظة الجوف شمال شرقي البلاد، واضطرار أسرته النزوح إلى أطراف مدينة الحزم مركز المحافظة.

ففي الربع الأول من العام 2015 اجتاحت ميلشيا الحوثي الانقلابية مناطق شاسعة من محافظة الجوف، من ثم توسعت حتى أطبقت السيطرة والخناق على كافة المناطق والقرى والمديريات، لتبدأ بعدها أعمال التعسف وتصنيف السكان الأصليين وفق مسميات تطلقها عليهم ما بين دواعش ومرتزقة وغزاة، لتقوم بعدها بمضايقة السكان وتشريدهم من مناطقهم وجعلهم يفترشون مناطق جدباء لا ماء فيها ولا مأكل، معرضة للرياح الشديدة، وآفات الصحراء من بعوض وأمراض وعقارب.

"أي قدر هذا قادتنا إليه ميلشيا الحوثي الانقلابية"، تلك هي الجملة الأقرب للإجابة على سؤالي لأم الطفل زاهر حين سألتها كيف تجري الأمور معكم في هذه الخيام في إشارة إلى مساكنهم البديلة لمواطنهم الأصلية التي غادروها مجبرين جراء تمركز ميلشيا الحوثي الانقلابية فيها واستخدامها ثكنات عسكرية في مناطق خب الشعف.

 مئات الأسر تعيش تحت وطأة خيام مهترئة، وجدران لا تحتمل ليال شتاء الربع الخالي الشمالي الشرقي، الذي لا يهدأ له بال، إذ تكابد هذه الأسر الحاجة الأساسية الضرورية للعيش، من الماء والأكل، ولا شيء أكثر يهمها أو تتمناه، بعد كل هذا الألم وفقدها لمزارعها ذات الخير الوفير، وفقا لتعبير امرأة مسنة تركن خيمتها إلى جانب خيمة أم زاهر، لتقف المرأة وهي تشير بيدها نحو أطفال أبنها البكر بعد إيضاحها لي، هؤلاء فقدوا والدهم بانفجار لغم أثناء تركنا لمنطقتنا جراء احتدام المواجهات في مناطق مديرية خب الشعف التي ما تزال مشتعلة فيها حتى اللحظة.

تقول المرأة وهي تشير للأطفال، "لديهم أخ عمره 16 عاما، يعمل على "متر" دراجة نارية ليل نهار في مدينة الحزم، لتوفير الأكل لهم، ولأمهم وأنا والشايب جدهم، ولو لا الله سبحانه وتعال وهذا الأبن الطائع الذي خلفه المرحوم لمتنا جوعا"، وفجأة تمتلئ عينيها بالدموع، فأكف أنا بالمقابل النظر إليها واتوجه إلى الأطفال الأربعة متقاربة أعمارهم من خمس سنوات حتى الحادية عشر والتي هي الطفلة اسماء، سألتها أيهما أفضل هنا أو بيتكم السابق، ردت الطفلة "هناك حرب ما يتركونا ننام في الليل، ولما نبغى نخرج نلعب في النهار ما يطيع أبوي وجدتي، رصاص واجد يحط".

ولأم زاهر أيضا نفس المعاناة، وأشد قليلا، إذ تحكي باختصار شديد عن طبيعة الأرض التي هم فيها حاليا، وعن الوضع المادي الذي يعيشونه جراء الحرب، فحسب قولها "لا يجدون كفايتهم من الماء الأكل، لكنهم يقسمون ما يحصلون عليه لوجبتين كل يوم لمدة شهر كامل، معتمدين على زوجها الذي يغيب معظم الأيام للعمل في مدينة مأرب".

ومثلها تعيش بالقرب من خيمتها العشرات من الأسر تتعدد خسارتها وفقدها، منها عائلها، وأخرى أولادها الكبار، ليجتمعوا هنا جميعا في منطقة بيضاء خالية إلا من خيامهم التي بالكاد تقاوم الرياح وغبار الصحراء الهائجة، وصاروا يؤلفون مجتمعا مليء بالمعاناة والتعب وضيق الحال، إلا أنهم يشعرون مع ذلك بنوع من السعادة وإن بدا ضئيلا، فبقائهم على قيد الحياة يكمن في هذا القليل من السعادة حد تعبيرهم.

ويشهد اليمن أسوأ أزمة إنسانية في العالم، إذ أدت سنوات القتال بأنحاء البلد إلى تدمير البنية الأساسية والخدمات العامة وسبل كسب العيش وتشريد الملايين وتفشي ما يعتقد أنه كان أسوأ وباء للكوليرا يشهده العالم.

ويحتاج ثلاثة أرباع اليمنيين، أي 22 مليون شخص، إلى شكل من أشكال الحماية والمساعدة.

ويعاني نحو 18 مليون شخص، من بينهم نسبة عالية من الأطفال، من انعدام الأمن الغذائي. ولا يعرف 8 ملايين يمني كيف سيحصلون على وجبتهم المقبلة، وتشتد حاجتهم للمساعدات الغذائية الطارئة ليبقوا على قيد الحياة.


آخر الأخبار