الثلاثاء 18 فبراير 2020
الرئيسية - تقارير وحوارات - "الديون".. سبيل اليمنيين للهروب من الحرمان والأزمة الاقتصادية
"الديون".. سبيل اليمنيين للهروب من الحرمان والأزمة الاقتصادية
الساعة 12:14 مساءً
يلجأ كثير من اليمنيين إلى التعامل بالديْن؛ كوسيلة للخروج من عنق زجاجة الحالة الاقتصادية القاسية، التي خلّفتها الحرب الدائرة في اليمن منذ انقلاب مليشيا "الحوثي" سنة 2014، لتصبح أبرز الوسائل، بل أشهرها. هذه الطريقة التي يطلق عليها في علم الاقتصاد "الجدارة الائتمانية"، لم يلجأ إليها اليمنيون لولا انقلاب الحوثيين وقوات المخلوع صالح، وما أفرزته سيطرتهم "الجشعة" على احتياطي النقد الأجنبي، التي أدت إلى حرمان موظفي القطاع العام في اليمن من رواتبهم لنحو تسعة أشهر. وتنوعت البدائل لدى اليمنيين في توفير الحد الأدنى من المعيشة، فبعضهم باع مدخراته، وثانٍ اعتمد على دخل من مصدر مختلف إلى جانب راتبه الحكومي، وآخر لجأ إلى المساعدات الإنسانية والمبادرات والجمعيات الخيرية، وكثير منهم اعتمدوا على الديون.   - هروب وإحراج ومع تزايد الظاهرة بشكل مُلاحظ، وكوسيلة للهروب ومنع الإحراج، لجأ كثير من أصحاب المحال التجارية إلى كتابة لوحات ولافتات ترفض فيها التعامل بالديْن، كالتاجر ياسر أحمد، الذي يقول إنه ممتعض من كثرة الديون وأصحابها. ويضيف أحمد لـ"الخليج أونلاين"، وهو يعمل في تجارة البيع بالجملة، أنه على الرغم من التنويه الشفوي، والملصقات الكتابية في المحل، فإنه لا يزال يتعامل مع البعض بالديْن؛ نظراً لثقته بهم وحاجتهم الإنسانية. ويقول أيضاً إنه يلجأ إلى تحذير زبائنه من التعامل بالديْن عبر اللوحات المكتوبة، أملاً في الحد منه وحصره في فئة محدودة، لكنه يواجه إصراراً من بعض الزبائن الذين يلحّون على الشراء بالديْن، كالمواطن شايف عبد الله، الذي يقول لمراسل "الخليج أونلاين" إنه "وسيلة للابتعاد عن التسول". ومنذ نهاية الربع الثالث من سنة 2016، عصفت أزمة السيولة بمرتبات موظفي الدولة، وتوقف دفع الأجور الشهرية المنخفضة أصلاً، لكن مع ذلك يحاول اليمنيون تسيير حياتهم اليومية عبر وسائل أخرى.   - نمط تكافلي ويفسر الخبير الاقتصادي اليمني، عبد الجليل السلمي، ذلك بالقول إن انتشار مفهوم الجدارة الائتمانية (التعامل بالديْن) كنمط من أنماط التكافل، فرض نفسه بقوة على الوضع المعيشي الصعب في اليمن. ويضيف السلمي لـ"الخليج أونلاين"، أن غالبية المواطنين تكيّفوا مع الوضع الذي يحركه التعامل بالدين للموظف، عند مؤجري السكن، وتاجر التجزئة، وهو ما يتعامل به أيضاً تاجر التجزئة مع تجار الجملة والموردين والمنتجين". وتابع: "يحجم تجار التجزئة عن استمرار بيع الموظفين احتياجاتهم الشرائية بالديْن كما كان في بداية أزمة الرواتب"، مشيراً إلى أن جدارتهم الائتمانية تراجعت مع استمرار الأزمة، بسبب تعامل تجار الجملة، والموردين، والمنتجين، بنظام الكاش (الدفع المسبق)". وكشفت أزمة الرواتب، التي تدخل شهرها التاسع، النقاب عن أرقام كبيرة تتعلق بالديْن والمديونية، إذ إن ما يفوق 80% من اليمنيين مدينون، وفقاً لبيانات التقييم الطارئ للأمن الغذائي والتغذية، في نوفمبر 2016. ويشير السلمي إلى أن "مرتب الموظف الحكومي يعد دخلاً شهرياً لمؤجري المساكن وأصحاب المحال التجارية وغيرهم، وانقطاعه يؤثر سلبياً على الطلب الكلي، ويعمق الانكماش الاقتصادي، ويوسع أزمة البطالة والفقر". ويوضح أن ارتفاع فاتورة الديون "يقلل من الطلب الاستهلاكي للموظفين الذي يعيشون دون رواتب"، إذ يستحوذ موظفو الدولة على ما نسبته 36% من الطلب الاستهلاكي للسلع والخدمات في السوق المحلية، وفقاً لبيانات وزارة المالية. ويضيف الخبير الاقتصادي أن القطاع العام يوظف نحو 31% من السكان العاملين وفقاً لمسح القوى العاملة 2013–2014، وتعتمد نحو 25% و3.2% من الأسر اليمنية على المرتب الحكومي والتقاعدي كمصدر دخل رئيسي.   - تراجع الشراء وبصورة أكثر تحديداً، فقد تأثر قرابة مليون و25 ألف موظف حكومي بسبب قطع الرواتب كاملة أو جزءاً منها، وهؤلاء يعيلون نحو 7-8 ملايين نسمة، منهم ما لا يقل عن 1.2 مليون طفل تحت سن الخامسة. كما علّقت الموازنة العامة للدولة التحويلات النقدية للفئات الأشد حرماناً في فئات المجتمع المسجلة بصندوق الرعاية الاجتماعية منذ 2015، بسبب الوضع المالي الصعب؛ ما ترك أكثر من 1.5 مليون حالة (أسرة) أو قرابة 8 ملايين شخص بدون إعانات حماية اجتماعية. وهنا يقول السلمي لـ"الخليج أونلاين"، إن استمرار انقطاع دفع الرواتب أثر على قدرة موظفي الدولة في شراء السلع والخدمات، وزاد من تدهور وضع الأمن الغذائي، خاصة أن 32% من موظفي الدولة كانوا يعانون انعدام الأمن الغذائي قبل الأزمة. وبحسب السلمي فإن هناك فئة أخرى في المجتمع تعاني أزمة المرتبات، وهم الموظفون المتقاعدون من المدنيين والعسكريين المسجلين في الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات. وتشكل فاتورة المرتبات والأجور للقطاعين المدني والعسكري- من دون المتقاعدين- 32.1% من إجمالي النفقات العامة للدولة، وما نسبته 11.4% من الناتج المحلي الإجمالي، كما تبلغ نفقات الأجور والمرتبات نحو 75 مليار ريال شهرياً (200 مليون دولار أميركي) منها نحو 50 مليار ريال (37 مليون دولار أميركي ) لموظفي الخدمة المدنية.

آخر الأخبار