
في أواخر ستينيات القرن الماضي، تساءل الرئيس المصري جمال عبد الناصر عن سبب فشل البعثيين في تحقيق الوحدة بين بغداد ودمشق، وهو سؤال يعكس طبيعة العلاقة المعقدة بين سوريا والعراق تحت حكم حزب البعث العربي الاشتراكي.
بالرغم من تشابه خلفيات حافظ الأسد وصدام حسين الريفية والهامشية، فقد تمكن كلاهما من الوصول إلى الرئاسة بعد انقلابات عسكرية، إلا أن هذا التماثل لم يمنع الصراع الشخصي والسياسي بينهما، إذ كان كل منهما يطمح للزعامة العربية دون تقاسم النفوذ مع الآخر.
بعد نجاح الانقلابات في سوريا 1963 والعراق 1968، تصاعد التوتر بين البعثيين في البلدين، خاصة بعد تولي حافظ الأسد السلطة واندلاع صراع داخلي أدى إلى مطاردة مؤسسي الحزب السابقين مثل ميشيل عفلق، ما زاد انعدام الثقة بين دمشق وبغداد.
شهدت نهاية السبعينيات محاولات لتقريب وجهات النظر بين البعثيين، حيث وقع الأسد والبكر عام 1978 "ميثاق العمل الوطني المشترك" لتأسيس اتحاد مشترك بين سوريا والعراق، مع تبادل المناصب وتوحيد بعض السياسات العسكرية والاقتصادية.
رغم ذلك، فشلت اللجنة التنفيذية للاتحاد بسبب خلافات عميقة حول تركز القوات والسيطرة على الكتائب النخبوية، إذ فضّلت سوريا تحالفًا فضفاضًا بينما سعى العراق لاتحاد كامل.
في يوليو/تموز 1979، قام صدام حسين بانقلاب على البكر، وبدأت حملة تطهير داخل حزب البعث العراقي، ما أدى إلى إعدام مؤيدين للوحدة مع سوريا، فيما استمرت الخلافات الشخصية والسياسية بين صدام وحافظ الأسد.
خلافاتهما شملت أيضاً مسائل اقتصادية وعسكرية، بما فيها حصص المياه وأنابيب النفط، ما دفع الأسد إلى دعم إيران أثناء الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988، وفتح صفحة تحالف مع طهران، اعتبره صدام إعلان عداء مباشر لسوريا.
خلال الحرب العراقية الإيرانية، أعلن الأسد دعمه للخميني، وسمح لمساعدي الخميني بالحصول على جوازات سفر سورية لممارسة أنشطتهم، ما زاد التوتر مع العراق.
نتيجة هذه السياسة، اقتحمت القوات العراقية السفارة السورية في بغداد عام 1980 وطُرد موظفوها، وقطعت العلاقات بين البلدين في أكتوبر/تشرين الأول من نفس العام.
في القمة العربية بفاس عام 1981، وصل التوتر بين الرجلين إلى السباب العلني، وأجبر تدخل الملك الحسن الثاني ملك المغرب على تهدئة الأمور بينهما.
في عام 1982، أغلق الأسد الحدود السورية مع العراق وأنابيب النفط، وعقد اتفاقيات تجارية مع إيران، في خطوة لتعزيز استقلال القرار السوري وتقويض تأثير صدام.
المخابرات الأميركية لاحظت في عام 1984 تشابه مسيرة الأسد وصدام، مشيرة إلى أن قسوة كل منهما وانعدام ثقته بالآخر جعل التعاون مستحيلاً.
سعى الملك حسين لإجراء لقاءات سرية بين صدام والأسد في الأردن عام 1987، لمناقشة وحدة بين البلدين والتعاون الاقتصادي والسياسي، لكن الاجتماع فشل بسبب رفض الأسد إدانة إيران ورفض صدام أي تدخل سوري في مصالحه.
رغم فشل اللقاءات، تبادل الرجلان رسائل سرية في منتصف التسعينيات تعكس رغبة العراق في إعادة التواصل، لكنها جاءت متأخرة بعد وفاة حافظ الأسد عام 2000.
بعد وفاة الأسد، بدأ نفوذ إيران يزداد في المنطقة، خاصة بعد سقوط نظام صدام حسين في 2003، ما أدى إلى تشكيل محور دمشق – طهران – جنوب لبنان.
الثورة السورية عام 2011 أعادت إنتاج سيناريو مشابه لسقوط نظام صدام، حيث واجه الأسد الابن نتائج مشابهة لسلفه بعد سنوات من الحكم.
المسيرة السياسية لكل من صدام وحافظ الأسد أظهرت تشابهاً في الصعود من بيئات ريفية هامشية إلى مراكز السلطة، وتكرار الأخطاء التي أدت إلى الصراعات الشخصية والسياسية والفكرية بينهما.
الصراع بين الرجلين امتد إلى الجغرافيا والسياسة الاقتصادية والعسكرية، مؤدياً إلى مزيد من التوتر الإقليمي، وتعزيز تدخل القوى الإقليمية والدولية في شؤون العرب.
دعم الأسد لإيران وخطواته الاستراتيجية ضد العراق خلال غزو الكويت 1990 أبرز استمرار العداء الشخصي والسياسي، حيث انضمت سوريا للتحالف الدولي لطرد القوات العراقية.
في النهاية، أظهرت الأحداث أن الصراع بين صدام حسين وحافظ الأسد كان مزيجاً من الطموح الشخصي، النزاعات الطائفية، والمصالح الجيوسياسية، وأسفر عن سقوط نظامي الأسد الأب وصدام حسين في دوامة الصراع العربي.
المصدر: الجزيرة نت