
في إنجاز علمي يُبشّر بثورة في علاج مرض السكري، أعلن فريق من الباحثين الأمريكيين عن تطوير مركب دوائي تجريبي قادر على تعطيل المسار الخلوي المسؤول عن الالتهابات المزمنة ومشكلات التئام الجروح التي ترافق المرض.
التفاصيل التي نُشرت في دورية "سيل كيميكال بيولوجي" (Cell Chemical Biology) كشفت أن المركب الجديد، الذي أُطلق عليه اسم "RAGE406R"، يعمل على إيقاف سلسلة التفاعلات الجزيئية التي تُعد المحرك الأساسي لمعظم مضاعفات السكري في نوعيه الأول والثاني، ما يجعله أول علاج يستهدف جذور المرض بدلًا من التعامل مع أعراضه فقط.
وأوضح البروفيسور ألكسندر شيختمن، الباحث الرئيس المشارك من جامعة ألباني، أن العلاجات التقليدية تُبطئ تقدم المرض لكنها لا تعالج الالتهاب المستمر الذي يتسبب في تلف الأنسجة والأعضاء على المدى الطويل، مؤكدًا أن هذا الاكتشاف "يفتح الباب أمام جيل جديد من الأدوية التي تهاجم لبّ المشكلة لا مظاهرها".
ويعاني مئات الملايين حول العالم من مرض السكري، في حين تقتصر معظم العلاجات الحالية على ضبط مستويات السكر في الدم دون استهداف الالتهاب المزمن الناتج عن تراكم جزيئات ضارة تنشط مستقبلًا خلويًا يُعرف باسم RAGE، وهو المسؤول عن إطلاق سلسلة التهابات خلوية عبر بروتين يُسمى DIAPH1.
وبحسب الدراسة، تمكن الفريق البحثي من تصميم جزيء خاص يرتبط بالموقع الذي يتفاعل فيه هذا البروتين داخل الخلية، مما يمنع تشغيل “زر الالتهاب” الذي يؤدي إلى سلسلة الأضرار المعروفة. وأشارت باراستو نازاريان، الباحثة المشاركة في المشروع، إلى أنها اختبرت أكثر من مئة مركب كيميائي قبل الوصول إلى الصيغة الجزيئية الأكثر فاعلية في تعطيل هذا المسار الالتهابي.
النتائج الأولية جاءت مشجعة للغاية:
في التجارب على خلايا بشرية مأخوذة من مرضى السكري من النوع الأول، انخفضت مؤشرات الالتهاب بشكل ملحوظ.
وفي التجارب على فئران مصابة بالسكري من النوع الثاني، لوحظ تسريع التئام الجروح وتقليل الالتهاب في الأنسجة المتضررة.
وقالت الدكتورة آن ماري شميت من كلية طب جامعة نيويورك، وهي من أبرز المتخصصين في هذا المجال:
"لأول مرة نرى دواءً قادراً على كبح مضاعفات السكري من المنبع، لا عبر خفض السكر فحسب، بل من خلال تعطيل السبب الجزيئي وراء الالتهاب المزمن."
ويستعد الفريق البحثي الآن للانتقال إلى المرحلة السريرية بالتعاون مع مؤسسات طبية متخصصة، تمهيدًا لاختبار الدواء على البشر. ويأمل الباحثون أن تمهّد هذه الخطوة الطريق نحو علاج نوعي يُحدث تحولًا جذريًا في التعامل مع واحد من أكثر الأمراض المزمنة انتشارًا في العالم.