
تتجه الأنظار في فرنسا نحو سجن "لا سانتيه" الشهير في باريس، حيث من المقرر أن يبدأ الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، في 21 أكتوبر الجاري، تنفيذ حكم بالسجن لمدة خمس سنوات، بعد إدانته بتهمة التآمر الجنائي في قضية تمويل غير قانوني لحملته الانتخابية الرئاسية عام 2007 من النظام الليبي بقيادة معمر القذافي.
وبحسب ما نقلته قناة RTL الفرنسية، سيُودَع ساركوزي رسميًا في سجن "لا سانتيه" الواقع في الدائرة الرابعة عشرة بالعاصمة، وهو ما أكدته أيضًا وكالة الأنباء الفرنسية نقلاً عن مصادر مقربة من الملف، في تأكيد متقاطع يعكس جدية القرار القضائي الذي أنهى مرحلة طويلة من المناورات القانونية.
ويمثل هذا الحكم انتكاسة غير مسبوقة في مسيرة السياسي المحافظ الذي حكم فرنسا بين عامي 2007 و2012، إذ يأتي بعد إدانته في قضيتي فساد سابقتين. وعلى الرغم من استئنافه الحكم الجديد، قررت المحكمة أن يُنفذ "بشكل مؤقت وفوري"، نظراً لما وصفته بـ"الخطورة الاستثنائية للأفعال" التي ارتكبها مسؤول كان يسعى آنذاك إلى أعلى منصب في الجمهورية.
وأدين ساركوزي بسبب تورطه في جهود جمع أموال انتخابية من ليبيا بمشاركة مقربين منه، من بينهم الوزيرين السابقين كلود غيان وبريس أورتوفو، اللذين أُدينا في القضية ذاتها.
وخلال مغادرته قاعة المحكمة، وصف الرئيس الأسبق الحكم بأنه "بالغ الخطورة على سيادة القانون"، مؤكداً براءته قائلاً: "إذا أرادوا أن أنام في السجن فسأفعل ذلك مرفوع الرأس، لأنني بريء."
سجن الرؤساء والسارقين والإرهابيين
ويُعد سجن لا سانتيه أحد أكثر السجون رمزية في فرنسا، إذ ضم بين جدرانه على مدى قرن ونصف شخصيات مثيرة للجدل مثل إيليتش راميريز سانشيز (كارلوس الثعلب)، أحد أشهر الإرهابيين في السبعينيات، وجاك ميسرين، سارق البنوك الأسطوري الذي تحولت قصته إلى فيلم سينمائي شهير.
ويُرجّح أن يُحتجز ساركوزي في "جناح كبار الشخصيات" داخل السجن، وهو قسم مخصص لشخصيات عامة ورجال سياسة وأمن سابقين يُخشى على سلامتهم بين السجناء العاديين. ويتألف الجناح من 18 زنزانة صغيرة المساحة (9 أمتار مربعة)، لكنها مزوّدة بثلاجة وتلفاز وموقد وخط هاتف ثابت، دون أن يعني ذلك – كما قال سجناء سابقون – أنها مريحة، إذ اشتكوا من الضوضاء المستمرة ليلاً وصراخ السجناء الآخرين.
بُني السجن عام 1867 بتصميم إشعاعي يتيح مراقبة النزلاء بشكل دائم، وخضع بين عامي 2015 و2019 لعملية تجديد شاملة قبل إعادة افتتاحه. ويُعد اليوم رمزًا مزدوجًا للعدالة الفرنسية: هيبة الدولة من جهة، وفضيحة قادتها من جهة أخرى.
ومع دخول ساركوزي أبواب “لا سانتيه”، سيصبح ثاني رئيس فرنسي في التاريخ الحديث يُسجن فعليًا بعد مغادرته الإليزيه، في مشهد يلخص المفارقة بين مجد السلطة وقيود الجدران الرمادية، وبين من كان يُصدر القوانين... ومن بات اليوم يعيش تحتها.