
كانت الوليمة لأن إبراهيم الحمدي جرف من طريق الشعب طبقة فاسدة متعجرفة، وفتح المستقبل أمام اليمن.
وكانت الوليمة لأنه استعاد القرار الوطني، وحرر الإرادة الوطنية.
ولقد تجلت عبقريته في أنه قاد حركة 13 يونيو بمجموعة غير متجانسة من ضباط الجيش وشيوخ القبائل، ثم استطاع أن يخلص البلاد من أثقلهم وزناً، وأشدهم سوءًا، دون أن يريق قطرة دم، أو يودع أحداً المعتقل.
وكان في تقديرهم أنهم يتخلصون من الرئيس الإرياني، بعد أن استنفد الحاجة إليه، لكي يحكموا بنفس الأدوات والعقليات القديمة، وأن بمقدورهم السيطرة على الضابط الشاب الذي لا تسنده قبيلة، أو تنفيذ انقلاب ضده، بينما كان هو يحمل مشروعاً طموحاً للتغيير.
ومن سوء حظهم أنهم لم يحسبوا ما يتمتع به من الدهاء والمهارة السياسية والجاذبية التي وضعته في قلب الشعب، ولم يدرك الفارق الشاسع بين القادمين من غبار التاريخ وبين ابن العصر.
كان اسم إبراهيم الحمدي وحده محطة آمال عراض، اسم بإبهار الموسيقى، وابتسامة بلون البرق، وصدق يدفق من القلب والضمير.
كانوا أصحاب القوة، وكان صاحب العقل الذي يدير ويوجه كما تبدى من البيان الأول، فهو لم يوجه اتهامات وإدانات للرئيس المعزول، على غير عادات الانقلابيين، بل أشاد بحكمته، وأنحى باللائمة على المحسوبية والرشوة اللتين ساقتاه إلى الاستقالة. ولم يقدم البيان وعوداً شطاحة، لكن الأغنية التي أعقبته بصوت الفنانة هناء المهدي “وطني أحببتك يا وطني”، عبرت عن روح حالمة وعاشقة للبلاد والناس، وأشاعت التفاؤل والأمل.
وكان اسم إبراهيم الحمدي وحده محطة آمال عراض، اسم بإبهار الموسيقى، وابتسامة بلون البرق، وصدق يدفق من القلب والضمير.
التعاونيات مثلت تجربة ديمقراطية بأروع وأكمل المعاني، فهناك على ساحتها دارت المباراة، ونزل الشباب المتخرجون من الجامعة يخوضون سباقاً مع رموز القوة التقليدية، وينتصرون عليهم.
وقد سبق اسمه سمته منذ تبنى برنامج الإصلاح الإداري باسم القوات المسلحة، وجعل القاضي الإرياني يغادر حانقاً إلى سوريا، وذهبت الوفود تداريه وتراضيه، فلا يرجع إلا عندما جاءه إبراهيم الحمدي. وهو أنشأ الجمعيات التعاونية في عهد سلفه، وأخذ يشق طريقاً في إطلاق همم الناس من أجل التنمية، قبل أن يتوسع هذا الطريق على نحو مذهل عندما يمسك هو بالزمام.
وكذلك كانت الحركة التعاونية واحداً من أبرز ملامح عهده، فمن خلالها غدت اليمن ورشة عمل، إذ نزل الناس إلى الأراضي البور يكسونها ثياباً خضراً من شجر، وليس من رنج، ليس على طريقة إحياء المولد النبوي هذه الأيام بالتأكيد. غير هذا، فإن التعاونيات مثلت تجربة ديمقراطية بأروع وأكمل المعاني، فهناك على ساحتها دارت المباراة، ونزل الشباب المتخرجون من الجامعة يخوضون سباقاً مع رموز القوة التقليدية، وينتصرون عليهم. كانت هيئة التعاون والتطوير تنظيمات شعبية زاخرة بالحيوية والتفاعل، فيها يتدرب المواطنون على الاختيار، وعلى المحاسبة؛ اختيار بدون تدليس ولا وصاية ولا ضغوط.
في 3 سنوات ونيف، أحدثت التجربة التعاونية معجزة حقيقية في البنية التحتية، بالقياس إلى ما كان، لكن المعجزة الأكبر هي استعادة الناس ثقتهم بأنفسهم وبالدولة التي تتولاهم. ثم كانت لجان التصحيح المالي والإداري، هي الأخرى، تعج بالحيوية والتفاعل والعمل الخلاق، وقد اختير أعضاؤها وفق معايير النزاهة والوطنية، وحتى في وجود ضعاف النفوس أمام إغراء المال وغوايته، فإن المناخ ما كان يسمح بالانحراف.
إعادة تنظيم أجهزة ومؤسسات الدولة على أسس حديثة، وتم تطعيمها بالكفاءات والعناصر الشابة، وأنشئ الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، وكان يراقب ويحاسب بالفعل، قبل أن يتسرب إليه الفساد بما يستوجب مراقبته ومحاسبته.
لقد أصبح الفساد غريباً، بعد أن ووجهت بصرامة بعض الانحرافات التي كشفت، وأيقن كل مشتغل في الخدمة العامة أن العقاب ينتظره إذا زلت يده وفتح جيبه. فصل قضاة من السلك القضائي بسبب تعاطي الرشوة وإصدار أحكام قضائية جائرة، وعوقب مسؤولون كبار، وجرى إعادة تنظيم أجهزة ومؤسسات الدولة على أسس حديثة، وتم تطعيمها بالكفاءات والعناصر الشابة، وأنشئ الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، وكان يراقب ويحاسب بالفعل، قبل أن يتسرب إليه الفساد بما يستوجب مراقبته ومحاسبته.
كما أنشئ جهاز النيابة العامة في نطاق تنظيم السلطة القضائية، وشهدت المرحلة ثورة في التشريعات، كما يقر خبراء القانون، سواء في مجال تنظيم جهاز الدولة، أو تنظيم الحياة العامة والاجتماعية.
استطاع الحمدي، بمهارة فائقة، أن يمسح عن اليمن صدى الطبقة السياسية المتعفنة، وأن يجلو وجهها، وأن يفك الأغلال من أيدي وأقدام الشعب، ويطلق طاقاته، ويخطو به نحو المستقبل. إحدى تلك الخطوات هي السعي نحو تحقيق الوحدة، فقبله كانت اتفاقيات القاهرة وبيان طرابلس مجرد إطفاء لحرب 1972، لم تتبعها سوى لجان شكلت واجتمعت من أجل تأجيل المواجهة العسكرية. وأما معه فقد توفرت الإرادة، وكاد يقطع نصف هذه الخطوة مع سالم ربيع علي، لولا سبق المؤامرة.
وكان إتمام الخطوة ينتظر استكمال تشكيل النظام السياسي في صنعاء، وربما تسويات في عدن تنهي العداء الحاد والمكبوت بين جناحين مختصمين في الجبهة القومية.
في صنعاء كانت التجهيزات جارية لعقد المؤتمر الشعبي العام، في نوفمبر 1977، بعد أن انتهت اللجنة التحضيرية من إعداد وثائقه، وشرعت في الترتيبات التنظيمية، وكان مقرراً أن ينبثق عنه تنظيم سياسي وطني، وأن يتمخض عنه إنهاء الفترة الانتقالية بإقرار دستور مؤقت يجري على أساسه انتخاب رئيس للجمهورية. ومن ذا الذي كان مؤهلاً وجديراً بإجماع الناخبين غير إبراهيم الحمدي.
إن هذا يقطع أي أمل للقوى التقليدية التي أسقطها الحمدي من مواقع النفوذ، فراحت تتجمع في خمر، وتتردد على الرياض.
وأما الوحدة بقيادة الحمدي وسالمين، فقد تقيم سوراً صينياً عالياً أمام دسائس ومؤامرات الأشقاء الأعداء، وتلهب حماس اليمنيين للمضي في ثورة خلاقة تعيد صياغة سجلات وعناوين كثيرة، ليس في اليمن وحدها.
ولقد سمع من قريب للغشمي، أن الحمدي كان على وشك تعيينه سفيراً في الصين. لقد كان يشم رائحة المؤامرة. غير أن اللئيم سبق الحليم.